اللغة خرق الهوى ومقصده السفل ، إذ مصيره إليه ، وإن لم يقصد إليه . وقال الشاعر :
هوى الدلو أسلمها الرشا
ومنه : هوى العقاب . * ( صَاحِبُكُمْ ) * : هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، والخطاب لقريش : أي هو مهتد راشد ، وليس كما تزعمون من نسبتكم إياه إلى الضلال والغي . * ( وَمَا يَنطِقُ ) * : أي الرسول عليه الصلاة والسلام ، * ( عَنِ الْهَوَى ) * : أي عن هوى نفسه ورأيه . * ( إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ ) * من عند الله ، * ( يُوحَى ) * إليه . وقيل : * ( وَمَا يَنطِقُ ) * : أي القرآن ، عن هوى وشهوة ، كقوله : * ( هَاذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقّ ) * . * ( إِنْ هُوَ ) * : أي الذي ينطق به . أو * ( إِنْ هُوَ ) * : أي القرآن . * ( عِلْمِهِ ) * : الضمير عائد على الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، فالمفعول الثاني محذوف ، أي علمه الوحي . أو على القرآن ، فالمفعول الأول محذوف ، أي علمه الرسول صلى الله عليه وسلم ) . * ( شَدِيدُ الْقُوَى ) * : هو جبريل ، وهو مناسب للأوصاف التي بعده ، وقاله ابن عباس وقتادة والربيع . وقال الحسن : * ( شَدِيدُ الْقُوَى ) * : هو الله تعالى ، وهو بعيد .
* ( ذُو مِرَّةٍ ) * : ذو قوة ، ومنه لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة سوى . وقيل : ذو هيئة حسنة . وقيل : هو جسم طويل حسن . ولا يناسب هذان القولان إلا إذا كان شديد القوى هو جبريل عليه السلام . * ( فَاسْتَوَى ) * : الضمير لله في قوله الحسن ، وكذا * ( وَهُوَ بِالاْفُقِ الاْعْلَى ) * لله تعالى ، على معنى العظمة والقدرة والسلطان . وعلى قول الجمهور : * ( فَاسْتَوَى ) * : أي جبريل في الجو ، * ( وَهُوَ بِالاْفُقِ الاْعْلَى ) * ، إن رآه الرسول عليه الصلاة والسلام بحراء قد سد الأفق له ستمائة جناح ، وحينئذ دنا من محمد حتى كان قاب قوسين ، وكذلك هو المرئي في النزلة الأخرى بستمائة جناح عند السدرة ، قاله الربيع والزجاج . وقال الطبري : والفراء : المعنى فاستوى جبريل ؛ وقوله : * ( وَهُوَ ) * ، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ) ، وفي هذا التأويل العطف على الضمير المرفوع من غير فصل ، وهو مذهب الكوفيين . وقد يقال : الضمير في استوى للرسول ، وهو لجبريل ، والأعلى لعمه الرأس وما جرى معه . وقال الحسن وقتادة : هو أفق مشرق الشمس .
وقال الزمخشري : * ( فَاسْتَوَى ) * : فاستقام على صورة نفسه الحقيقية دون الصورة التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي ، وكان ينزل في صورة دحية ، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم ) أحب أن يراه في صورته التي جبل عليها ، فاستوى له بالأفق الأعلى ، وهو أفق الشمس ، فملأ الأفق . وقيل : ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد صلى الله عليه وسلم ) ، مرة في الأرض ، ومرة في السماء . * ( ثُمَّ دَنَا ) * من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، * ( فَتَدَلَّى ) * : فتعلق عليه في الهوى . وكان مقدار مسافة قربه منه مثل * ( قَابَ قَوْسَيْنِ ) * ، فحذفت هذه المضافات ، كما قال أبو علي في قوله :
وقد جعلتني من خزيمة أصبعا
أي : ذا مسافة مقدار أصبع ، * ( أَوْ أَدْنَى ) * على تقديركم ، كقوله : * ( أَوْ يَزِيدُونَ ) * . * ( إِلَى عَبْدِهِ ) * : أي إلى عبد الله ، وإن لم يجر لاسمه عز وجل ذكر ، لأنه لا يلبس ، كقوله : * ( مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا ) * . * ( مَا أَوْحَى ) * : تفخيم للوحي الذي أوحي إليه قبل
تفسير البحر المحيط — صفحة 155
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص١٥٥