عاتون .
* ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) * : أي أعرض عن الذين كررت عليهم الدعوة ، فلم يجيبوا . * ( فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ ) * : إذ قد بلغت ونصحت . * ( وَذَكّرْ فَإِنَّ الذّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) * : تؤثر فيهم وفيمن قدر الله أن يؤمن ، وما دل عليه الظاهر من الموادعة منسوخ بآية السيف . وعن عليّ ، كرم الله وجهه : لما نزل * ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) * ، حزن المسلمون وظنوا أنه أمر بالتولي عن الجميع ، وأن الوحي قد انقطع ، نزلت * ( وَذَكّرْ فَإِنَّ الذّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) * ، فسروا بذلك . * ( إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) * : أي * ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ ) * الطائعين ، قاله زيد بن أسلم وسفيان ، ويؤيده رواية ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : ( وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين ) . وقال علي وابن عباس : * ( إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) * : إلا لآمرهم بعبادتي ، وليقروا لي بالعبادة . فعبر بقوله : * ( لِيَعْبُدُونِ ) * ، إذ العبادة هي مضمن الأمر ، فعلى هذا الجن والإنس عام . وقيل : يحتمل أن يكون المعنى : إلا معدين ليعبدون ، وكأن الآية تعديد نعمه ، أي خلقت لهم حواس وعقولاً وأجساماً منقادة ، نحو : العبادة ، كما تقول : هذا مخلوق لكذا ، وإن لم يصدر منه الذي خلق له ، كما تقول : القلم مبري لأن يكتب به ، وهو قد يكتب به وقد لا يكتب به ، وقال الزمخشري : إلا لأجل العبادة ، ولم أرد من جميعهم إلا إياها . فإن قلت : لو كان مريداً للعبادة منهم ، لكانوا كلهم عباداً . قلت : إنما أراد منهم أن يعبدوه مختارين للعبادة لا مضطرين إليها ، لأنه خلقهم ممكنين ، فاختار بعضهم ترك العبادة مع كونه مريداً لها ، ولو أرادها على القسر والإلجاء لوجدت من جميعهم . انتهى ، وهو على طريقة الاعتزال . وقال مجاهد : * ( إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) * : ليعرفون . وقال ابن زيد : لأحملهم في العبادة على الشقاوة والسعادة . وقال الربيع بن أنس : إلا للعبادة ، قال : وهو ظاهر اللفظ . وقيل : إلا ليذلوا لقضائي . وقال الكلبي : إلا ليوحدون ، فالمؤمن يوحده في الشدة والرخاء ، والكافر في الشدة . وقال عكرمة : ليطيعون ، فأثيب العابد ، وأعاقب الجاحد . وقال مجاهد أيضاً : إلا للأمر والنهي .
* ( مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ ) * : أي أن يرزقوا أنفسهم ولا غيرهم . * ( وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ) * : أي أن يطعموا خلقي ، فهو على حذف مضاف ، فالإضافة إلى الضمير تجوز ، قاله ابن عباس . وقيل : * ( أَن يُطْعِمُونِ ) * : أن ينفعون ، فذكر جزأ من المنافع وجعله دالاً على الجميع . وقال الزمخشري : يريد إن شأني مع عبادي ليس كشأن السادة مع عبيدهم ، لأن ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا في تحصيل معايشهم وأرزاقهم بهم ؛ فإما مجهز في تجارة يبغي ربحاً ، أو مرتب في فلاحة ليقتل أرضاً ، أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته ، أو محتطب ، أو محتش ، أو مستق ، أو طابخ ، أو خابز ، أو ما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي تصرف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق . فأما مالك ملاك العبيد فقال لهم : اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم ، ولا أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي ولا رزقكم ، وأنا غني عنكم وعن مرافقكم ، ومتفضل عليكم برزقكم وبما يصلحكم ويعيشكم من عندي ، فما هو إلا أن انا وحدي . انتهى ، وهو تكثير وخطابة . وقرأ ابن محيصن : * ( الرَّزَّاقُ ) * ، كما قرأ : * ( وَفِى السَّمَاء ) * : اسم فاعل ، وهي قراءة حميد . وقرأ الأعمش ، وابن وثاب : * ( الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) * بالجر ، صفة للقوة على معنى الاقتدار ، قاله الزمخشري ، أو كأنه قال : ذو الأيد ، وأجاز أبو الفتح أن تكون صفة لذو وخفض على الجوار ، كقولهم : هذا جحر ضب خرب .
* ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ) * : هم أهل مكة وغيرهم من الكفار الذين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، ذنوباً : أي حظاً ونصيباً ، * ( مّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ ) * : من الأمم السابقة التي كذبت الرسل في الإهلاك والعذاب . وعن قتادة : سجلاً من عذاب الله مثل سجل أصحابهم . وقال الجوهري : الذنوب : الدلو الملأى ماء ، ولا يقال لها ذنوب وهي فارغة وجمعها العدد ، وفي الكثير ذنائب . والذنوب : الفرس الطويل الذنب ، والذنوب : النصيب ، والذنوب : لحم أسفل المتن . وقال ابن الأعرابي : يقال يوم ذنوب : أي طويل الشر لا ينقضي . * ( فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ ) * ، قيل : يوم بدر . وقيل : يوم القيامة * ( الَّذِى يُوعَدُونَ ) * : أي به ، أو يوعدونه .
تفسير البحر المحيط — صفحة 141
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص١٤١