للإنكار ، وكأنه ثم محذوف تقديره : فامتنعوا من الأكل ، فأنكر عليهم ترك الأكل فقال : * ( أَلا تَأْكُلُونَ ) * . وفي الحديث : ( إنهم قالوا إنا لا نأكل إلا ما أدينا ثمنه ، فقال لهم : وإني لا أبيحه لكم إلا بثمن ، قالوا : وما هو ؟ قال : أن تسموا الله عز وجل عند الابتداء وتحمدوه عند الفراغ من الأكل ، فقال بعضهم لبعض : بحق اتخذه الله خليلاً ) .
* ( فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ) * : أي فلما استمروا على الامتناع من الأكل ، أوجس منهم خيفة ، وذلك أن أكل الضيف أمنة ودليل على انبساط نفسه ، وللطعام حرمة وذمام ، والامتناع منه وحشة . فخشي إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن امتناعهم من أكل طعامهم إنما هو لشر يريدونه ، فقالوا لا تخف ، وعرفوه أنهم ملائكة . وعن ابن عباس : وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب . وعلمهم بما أضمر في نفسه من الخوف ، إنما يكون باطلاع الله ملائكته على ما في نفسه ، أو بظهور أمارته في الوجه ، فاستدلوا بذلك على الباطن . وعن يحيى بن شداد : مسح جبريل عليه السلام بجناحه العجل ، فقام يدرج حتى لحق بأمه . * ( بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ) * : أي سيكون عليماً ، وفيه تبشير بحياته حتى يكون من العلماء . وعن الحسن : عليم نبي ؛ والجمهور : على أن المبشر به هو إسحاق بن سارة . وقال مجاهد : هو إسماعيل . وقيل : علم أنهم ملائكة من حيث بشروه بغيب ، ووقعت البشارة بعد التأنيس والجلوس ، وكانت البشارة بذكر ، لأنه أسر للنفس وأبهج ، ووصفه بعليم لأنها الصفة التي يختص بها الإنسان الكامل إلا بالصورة الجميلة والقوة .
* ( فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِى صَرَّةٍ ) * : أي إلى بيتها ، وكانت في زاوية تنظر إليهم وتسمع كلامهم . وقيل : * ( فَأَقْبَلَتِ ) * ، أي شرعت في الصياح . قيل : وجدت حرارة الدم ، فلطمت وجهها من الحياء . والصرة ، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وسفيان : الصيحة . قال الشاعر :
* فألحقنا بالهاديات ودونه
*
حواجرها في صرة لم تزيل
*
وقال قتادة وعكرمة : الرنة . قيل : قالت أوّه بصياح وتعجب . وقال ابن بحر : الجماعة ، أي من النسوة تبادروا نظراً إلى الملائكة . وقال الجوهري : الصرة : الصيحة والجماعة والشدة . * ( فَصَكَّتْ وَجْهَهَا ) * : أي لطمته ، قاله ابن عباس ، وكذلك كما يفعله من يرد عليه أمر يستهو له ويتعجب منه ، وهو فعل النساء إذا تعجبن من شيء . وقال السدي وسفيان : ضربت بكفها جبهتها ، وهذا مستعمل في الناس حتى الآن . * ( وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ) * : أي إنا قد اجتمع فيها أنها عجوز ، وذلك مانع من الولادة ، وأنها عقيم ، وهي التي لم تلد قط ، فكيف ألد ؟ تعجبت من ذلك . * ( قَالُواْ كَذَلِكِ ) * : أي مثل القول الذي أخبرناك به ، * ( قَالَ رَبُّكِ ) * : وهو القادر على إيجاد ما يستبعد . وروي أن جبريل عليه السلام قال لها : انظري إلى سقف بيتك ، فنظرت ، فإذا جذوعه مورقة مثمرة . * ( إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ ) * : أي ذو الحكمة . * ( الْعَلِيمُ ) * بالمصالح .
ولما علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنهم ملائكة ، وأنهم لا ينزلون إلا بإذن الله تعالى رسلاً ، قال * ( فَمَا خَطْبُكُمْ ) * إلى : * ( قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ ) * : أي ذوي جرائم ، وهي كبار المعاصي من كفر وغيره . * ( لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ ) * : أي لنهلكهم بها ، * ( حِجَارَةً مّن طِينٍ ) * : وهو السجيل ، طين يطبخ كما يطبخ الآجر حتى يصير في صلابة كالحجارة . * ( مُّسَوَّمَةً ) * : معلمة ، على كل واحد منها اسم صاحبه . وقيل : معلمة أنها من حجارة العذاب . وقيل : معلمة أنها ليست من حجارة الدنيا ، * ( لِلْمُسْرِفِينَ ) * : وهم المجاوزون الحد في الكفر . * ( فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا ) * : في القرية التي حل العذاب بأهلها . * ( غَيْرَ بَيْتٍ ) * : هو بيت لوط عليه السلام ، وهو لوط وابنتاه فقط ، وقيل : ثلاثة عشر نفساً . وقال الرماني : الآية تدل على أن الإيمان هو الإسلام ، وكذا قال الزمخشري ، وهما معتزليان .
* ( وَتَرَكْنَا فِيهَا ) * : أي في القرية ، * ( ءايَةً ) * : علامة . قال ابن جريج : حجراً كبيراً جدًّا منضوداً . وقيل : ماء أسود منتن . ويجوز أن يكون فيها عائداً على الإهلاكة التي أهلكوها ، فإنها من أعاجيب الإهلاك ،
تفسير البحر المحيط — صفحة 138
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص١٣٨