وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمْ يَنتَصِرُونَ * وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى الاْرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الاْمُورِ * وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِىّ مّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدّ مّن ) * .
لما ذكر تعالى من دلائل وحدانيته أنواعاً ، ذكر بعدها العالم الأكبر ، وهو السماوات والأرض ؛ ثم العالم الأصغر ، وهو الحيوان . ثم اتبعه بذكر المعاد ، أتبعه بذكر السفن الجارية في البحر ، لما فيها من عظيم دلائل القدرة ، من جهة أن الماء جسم لطيف شفاف يغوص فيه الثقيل ، والسفن تشخص بالأجسام الثقيلة الكثيفة ، ومع ذلك جعل تعالى للماء قوة يحملها بها ويمنع من الغوص . ثم جعل الرياح سبباً لسيرها . فإذا أراد أن ترسو ، أسكن الريح ، فلا تبرح عن مكانها . والجواري : جمع جارية ، وأصله السفن الجواري ، حذف الموصوف وقامت صفته مقامه ، وحسن ذلك قوله : * ( فِى الْبَحْرِ ) * ، فدل ذلك على أنها صفة للسفن ، وإلا فهي صفة غير مختصة ، فكان القياس أن لا يحذف الموصوف ويقوم مقامه . ويمكن أن يقال : إنها صفة غالبة ، كالأبطح ، فجاز أن تلي العوامل بغير ذكر الموصوف . وقرئ : الجواري بالياء ودونها ، وسمع من العرب الأعراب في الراء ، وفي البحر متعلق بالجواري ، وكالأعلام في موضع الحال ، والأعلام : الجبال ، ومنه قول الخنساء أخت صخر ومعاوية :
* وإن صخراً التأتم الهداة به
*
كأنه علم في رأسه نار
*
ومنه :
إذا قطعن علماً بدا علم
وقرأ جمهور السبعة : * ( الرّيحَ ) * إفراداً ، ونافع : جمعاً ، وقرأ الجمهور : * ( فَيَظْلَلْنَ ) * بفتح اللام ، وقرأ قتادة : بكسرها ، والقياس الفتح ، لأن الماضي بكسر العين ، فالكسر في المضارع شاذ . وقال الزمخشري : من ظل يظل ويظل ، نحو ضل يضل ويضل . انتهى . وليس كما ذكر ، لأن يضل بفتح العين من ضللت بكسرها في الماضي ، ويضل بكسرها من ضللت بفتحها في الماضي ، وكلاهما مقيس . * ( لّكُلّ صَبَّارٍ ) * على بلائه ، * ( شَكُورٍ ) * لنعمائه . * ( أَوْ يُوبِقْهُنَّ ) * : يهلكهن ، أي الجواري ، وهو عطف على يسكن ، والضمير في * ( كَسَبُواْ ) * عائد على ركاب السفن ، أي بذنوبهم . وقرأ الأعمش : ويعفو بالواو ، وعن أهل المدينة : بنصب الواو ، والجمهور : ويعف مجزوماً عطفاً على يوبقهن . فأما قراءة الأعمش ، فإنه أخبر تعالى أنه يعفو عن كثير ، أي لا يؤاخذ بجميع ما اكتسب الإنسان . وأما النصب ، فبإضمار أن بعد الواو ، وكالنصب بعد الفاء في قراءة من قرأ : يحاسبكم به الله فيغفر ، وبعد الواو في قول الشاعر :
تفسير البحر المحيط — صفحة 497
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤٩٧