( سقط : يسيروا في الأرض فينظروا إلى نهاية الآية )
أمر تعالى نبيه بالصبر تأنيساً له ، وإلا فهو ، عليه السلام ، في غاية الصبر ، وأخبر بأن ما وعده من النصر والظفر وإعلاء كلمته وإظهار دينه حق . قيل : وجواب * ( فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ) * محذوف لدلالة المعنى عليه ، أي فيقر عينك ، ولا يصح أن يكون * ( فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) * جواباً للمعطوف عليه والمعطوف ، لأن تركيب * ( فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ) * بعض الموعود في حياتك ، * ( فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) * ليس بظاهر ، وهو يصح أن يكون جواب ، * ( أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ) * : أي * ( فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) * ، فننتقم منهم ونعذبهم لكونهم لم يتبعوك . ونظير هذه الآية قوله : * ( فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِى وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ ) * ، إلا أنه هنا صرح بجواب الشرطين . وقال الزمخشري : * ( فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) * متعلق بقوله : * ( نَتَوَفَّيَنَّكَ ) * ، وجزاء * ( نُرِيَنَّكَ ) * محذوف تقديره : فإما نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب ، وهو القتل يوم بدر فذاك ، أو أن نتوفينك قبل يوم بدر ، فإلينا يرجعون يوم القيامة ، فننتقم منهم أشد الانتقام . وقد تقدم للزمخشري نحو هذا البحث في سورة يونس في قوله : * ( وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ) * ، ورددنا عليه ، فيطالع هناك . وقال الزمخشري أيضاً : * ( فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ) * أصله فإن نرك ، وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ، ولذلك ألحقت النون بالفعل . ألا تراك لا تقول : إن تكرمني أكرمك ، ولكن أما تكرمني أكرمك ؟ انتهى . وما ذهب إليه من تلازم ما لمزيده ، ونون التوكيد بعد أن الشرطية هو مذهب المبرد والزجاج . وذهب سيبويه إلى أنك إن شئت أتيت بما دون النون ، وإن شئت أتيت بالنون دون ما . قال سيبويه في هذه المسألة : وإن شئت لم تقحم النون ؛ كما أنك إذا جئت لم تجىء بما ، يعني لم تقحم النون مع مجيئك بما ، ولم تجىء بما مع مجيئك بالنون . وقرأ الجمهور : يرجعون بياء الغيبة مبنياً للمفعول ؛ وأبو عبد الرحمن ، ويعقوب : بفتح الياء ؛ وطلحة بن مطرف ، ويعقوب في رواية الوليد بن حسان : بفتح تاء الخطاب .
ثم رد تعالى على العرب في إنكارهم بعثة الرسل ، وفي عدد الرسل اختلاف . روي أنه ثمانية آلاف من بني إسرائيل ، وأربعة آلاف من غيرهم . وروي : بعث الله أربعة آلاف نبي ، * ( مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ ) * : أي من أخبرناك به ، أما في القرآن فثمانية عشر . * ( وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) * ، وعن علي ، وابن عباس : أن الله بعث نبياً أسود في الحبش ، فهو ممن لم يقصص عليه . * ( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ) * : أي ليس ذلك راجعاً إليهم ، لما اقترحوا على الرسل قال : ليس ذلك إلى لا تأتي آية إلا إن شاء الله ، * ( فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ ) * : رد ووعيد بإثر اقتراحهم الآيات ، وأمر الله : لقيامة . والمبطلون : المعاندون مقترحون الآيات ، وقد أتتهم الآيات ، فأنكروها وسموها سحراً ، أو * ( فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ ) * : أي أراد إرسال رسول وبعثة نبي ، قضي ذلك
تفسير البحر المحيط — صفحة 456
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤٥٦