* لئن حللت بجوّفي بني أسد
*
في دين عمرو وحالت بيننا فدك انتهى . وتبديل دينهم هو تغييره ، وكانوا يعبدونه ويعبدون الأصنام ، كما قال : * ( وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ ) * . أو أن يظهر الأرض الفساد ، وذلك بالتهارج الذي يذهب معه الأمن ، وتتعطل المزارع والمكاسب ، ويهلك الناس قتلاً وضياعاً ، فأخاف فساد دينكم ودنياكم معاً . وبدأ فرعون بخوفه تغيير دينهم على تغيير دنياهم ، لأن حبهم لأديانهم فوق حبهم لأموالهم . وقيل : * ( ذَرُونِى ) * يدل على أنهم كانوا يمنعونه من قتله ، إما لكون بعضهم كان مصدقاً له فيتحيل في منع قتله ، وإما لما روي عن الحسن مما ذكر الزمخشري ، وإما الشغل قلب فرعون بموسى حتى لا يتفرغ لهم ، ويأمنوا من شره ؛ كما يفعلون مع الملك ، إذا خرج عليه خارجي شغلوه به حتى يأمنوا من شره . وقرأ الكوفيون : أو أن ، بترديد الخوف بين تبديل الدين أو ظهور الفساد . وقرأ باقي السبعة : وأن بانتصاب الخوف عليهما معاً . وقرأ أنس بن مالك ، وابن المسيب ، ومجاهد ، وقتادة ، وأبو رجاء ، والحسن ، والجحدري ، ونافع ، وأبو عمرو ، وحفص : * ( يُظْهِرُ ) * من أظهر مبنياً للفاعل ، * ( الْفَسَادَ ) * : نصباً . وقرأ باقي السبعة ، والأعرج ، والأعمش ، وابن وثاب ، وعيسى : يظهر من ظهر مبنياً للفاعل ، الفساد : رفعاً . وقرأ مجاهد : يظهر بشد الظاء والهاء ، الفساد : رفعاً . وقرأ زيد بن عليّ : يظهر : بضم الياء وفتح الهاء مبنياً للمفعول ، الفساد : رفعاً .
*
ولما سمع موسى بمقالة فرعون ، استعاذ بالله من شر كل متكبر منكر للمعاد . وقال : * ( وَرَبّكُمْ ) * : بعثاً على الاقتداء به ، فيعوذون بالله ويعتصمون به ومن كل متكبر يشمل فرعون وغيره من الجبابرة ؛ وكان ذكل على طريق التعريض ، وكان أبلغ . والتكبر : تعاظم الإنسان في نفسه مع حقارته ، لأنه يفعل ولا يؤمن بيوم الحساب ، أي بالجزاء ، وكان ذلك آكد في جراءته ، إذ حصل له التعاظم في نفسه ، وعدم المبالاة بما ارتكب . وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : عدت بالإدغام ؛ وباقي السبعة : بالإظهار . وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ، قيل : كان قبطياً ابن عم فرعون ، وكان يجري مجرى ولي العهد ، ومجرى صاحب الشرطة . وقيل : كان قبطياً ليس من قرابته . وقيل : قيل فيه من آل فرعون ، لأنه كان في الظاهر على دينه ودين أتباعه . وقيل : كان إسرائيلياً وليس من آل فرعون ، وجعل آل فرعون متعلقاً بقوله : * ( يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) * ، لا في موضع الصفة لرجل ، كما يدل عليه الظاهر ، وهذا فيه بعد ، إذ لم يكن لأحد من بني إسرائيل أن يتجاسر عند فرعون بمثل ما تكلم به هذا الرجل . وقد رد قول من علق من آل فرعون بيكتم ، فإنه لا يقال : كتمت من فلان كذا ، إنما يقال : كتمت فلاناً كذا ، قال تعالى : * ( وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ) * ، وقال الشاعر :
* كتمتك ليلاً بالجمومين ساهرا
*
وهمين هما مستكناً وظاهرا
*
* أحاديث نفس تشتكي ما يريبها
*
وورد هموم لن يجدن مصادرا
*
أي : كتمتك أحاديث نفس وهمين . قيل : واسمه سمعان . وقيل : حبيب . وقيل : حزقيل . وقرأ الجمهور : * ( رَجُلٌ ) * بضم الجيم . وقرأ عيسى ، وعبد الوارث ، وعبيد بن عقيل ، وحمزة بن القاسم عن أبي عمرو : بسكون ، وهي لغة تميم ونجد . * ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ ) * : أي لأن يقول * ( رَبّىَ اللَّهُ ) * ، وهذا إنكار منه عظيم وتبكيت لهم ، كأنه قال : أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة وما لكم عليه في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها ، وهي قوله : * ( رَبّىَ اللَّهُ ) * ، مع أنه * ( قَدْ جَاءكُمُ * بِالْبَيّنَاتِ مِن رَّبّكُمْ ) * : أي من عند من نسب إليه الربوبية ، وهو ربكم لا ربه وحده ؟ وهذا استدراج إلى الاعتراف . وقال الزمخشري : ولك أن تقدر مضافاً محذوفاً ، أي وقت أن يقول ، والمعنى : أتقتلونه ساعة سمعتم منه هذا القول من
تفسير البحر المحيط — صفحة 441
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤٤١