تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
فالظلمات تنافي النور وتضاده ، والظل والحرور كذلك ، والأعمى والبصير ليس كذلك ، لأن الشخص الواحد قد يكون بصيراً . ثم يعرض له العمى ، فلا منافاة إلا من حيث الوصف . والمنافاة بين الظل والحرور دائمة ، لأن المراد من الظل عدم الحر والبرد ؛ فلما كانت المنافاة أتم ، أكد بالتكرار . وأما الأحياء والأموات من حيث أن الجسم الواحد يكون محلاً للحياة ، فيصير محلاً للموت . فالمنافاة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير ، لأن هذين قد يشتركان في إدراك مّا ، ولا كذلك الحي . والميت يخالف الحي في الحقيقة ، لا في الوصف ، على ما بين في الحكمة الإلهية . وقدّم الأشرف في مثلين ، وهو الظل والحر ؛ وآخر في مثلين ، وهما البصير والنور ، ولا يقال لأجل السجع ، لأن معجزة القرآن ليست في مجرد اللفظ ، بل فيه . وفي المعنى : والشاعر قد يقدّم ويؤخر لأجل السجع والقرآن . المعنى صحيح ، واللفظ فصيح ، وكانوا قبل المبعث في ضلالة ، فكانوا كالعمي ، وطريقهم الظلمة . فلما جاء الرسول ، واهتدى به قوم ، صاروا بصيرين ، وطريقهم النور ، وقدّم ما كان متقدّماً من المتصف بالكفر ، وطريقته على ما كان متأخراً من المتصف بالإيمان وطريقته . ثم لما ذكر المآل والمرجع ، قدّم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب ، كما جاء : سبقت رحمتي غضبي ، فقدّم الظل على الحرور . ثم إن الكافر المصر بعد البعثة صار أضل من الأعمى ، وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال : * ( وَمَا يَسْتَوِى الاْحْيَاء ) * : الذين آمنوا بما أنزل الله ، * ( وَلاَ الاْمْوَاتُ ) * : الذين تليت عليهم الآيات البينات ، ولم ينتفعوا بها . وهؤلاء كانوا بعد إيمان من آمن ، فأخرهم لوجود حياة المؤمنين قبل ممات الكافر . وأفرد الأعمى والبصير ، لأنه قابل الجنس بالجنس ، إذ قد يوجد في أفراد العميان ما يساوي به بعض أفراد البصراء ، كأعمى عنده من الذكاء ما يساوي به البصير البليد . فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به ، لا بين الأفراد . وجمعت الظلمات ، لأن طرق الكفر متعدّدة ؛ وأفرد النور ، لأن التوحيد والحق واحد ، والتفاوت بين كل فرد من تلك الأفراد وبين هذا الواحد فقال : الظلمات لا تجد فيها ما يساوي هذا النور . وأما الأحياء والأموات ، فالتفاوت بينهما أكثر ، إذ ما من ميت يساوي في الإدراك حياً ، فذكر أن الأحياء لا يساوون الأموات ، سواء قابلت الجنس بالجنس ، أم قابلت الفرد بالفرد . انتهى . من كلام أبي عبد الله الرازي ، وفيه بعض تلخيص . ثم سلى رسوله بقوله : * ( إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء ) * : أي إسماع هؤلاء منوط بمشيئتنا ، وكنى بالإسماع عن الذي تكون عنه الإجابة للإيمان . ولما ذكر أنه * ( مَا * يَسْتَوِى الاْحْيَاء وَلاَ الاْمْوَاتُ ) * ، قال : * ( وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى الْقُبُورِ ) * : أي هؤلاء ، من عدم إصغائهم إلى سمع الحق ، بمنزلة من هم قد ماتوا فأقاموا في قبورهم . فكما أن من مات لا يمكن أن يقبل منك قول الحق ، فكذلك هؤلاء ، لأنهم أموات القلوب . وقرأ الأشهب ، والحسن بمسمع من ، على الإضافة ؛ والجمهور : بالتنوين . * ( إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ ) * : أي ما عليك إلا أن تبلغ وتنذر . فإن كان المنذر ممن أراد الله هدايته سمع واهتدى ، وإن كان ممن أراد الله ضلاله فما عليك ، لأنه تعالى هو الذي يهدي ويضل . و * ( بِالْحَقّ ) * : حال من الفاعل ، أي محق . أو من المفعول ، أي محقاً ، أو صفة لمصدر محذوف ، أي إرسالاً بالحق ، أي مصحوباً . قال الزمخشري : أو صلة بشير ونذير ، فنذير على بشير بالوعد الحق ؛ ونذير بالوعيد . انتهى . ولا يمكن أن يتعلق بالحق هذا بشير ونذير معاً ، بل ينبغي أن يتأول كلامه على أنه أراد أن ثم محذوفاً ، والتقدير : بالوعد الحق بشيراً ، وبالوعيد الحق نذيراً ، فحذف المقابل لدلالة مقابله عليه . * ( وَإِن مّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ * مّن نَّذِيرٍ ) * ، الأمة : الجماعة الكثيرة ، والمعنى : أن الدعاء إلى الله لم ينقطع عن كل أمة . أما بمباشرة من أنبيائهم وما ينقل إلى وقت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ) ، والآيات التي تدل على أن قريشاً ما جاءهم نذير معناه لم يباشرهم ولا آباؤهم القريبين ، وأما أن النذارة انقطعت فلا . ولما شرعت آثار النذراة تندرس ، بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم ) . وما ذكره أهل علم الكلام من حال أهل الفترات ، فإن ذلك على حسب العرض لأنه واقع ، ولا توجد أمة على وجه الأرض إلا وقد علمت الدعوة إلى الله وعبارته . واكتفى بذكر نذير عن بشير ، لأنها مشفوعة بها في قوله : * ( بَشِيراً وَنَذِيراً ) * ، فدل ذلك على أنه مراد ، وحذف للدلالة عليه . * ( وَإِن يُكَذّبُوكَ ) * : مسلاة للرسول صلى الله عليه وسلم ) ، وتقدّم الكلام على نظير هذه الجمل في أواخر آل عمران . قوله : * ( فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ) * ، توعد لقريش بما جرى لمكذبي رسلهم