( سقط : ويرزقكم ) جوزوا أن يكون خبراً للمبتدأ ، وإن يكون صفته ، وأن يكون مستأنفاً ، والخبر على هذين الوجهين محذوف تقديره لكم . وقرأ شيبة ، وعيسى ، والحسن ، وباقي السبعة : * ( مّن مَّاء غَيْرِ ) * بالرفع ، وجوزوا أن يكون نعتاً على الموضع ، كما كان الخبر نعتاً على اللفظ ، وهذا أظهر لتوافق القراءتين ؛ وأن يكون خبراً للمبتدأ ، وأن يكون فاعلاً باسم الفاعل الذي هو خالق ، لأنه قد اعتمد على أداة الاستفهام ، فحسن إعماله ، كقولك : أقائم زيد في أحد وجهيه ؟ وفي هذا نظر ، وهو أن اسم الفاعل ، أو ما جرى مجراه ، إذا اعتمد على أداة الاستفهام وأجرى مجرى الفعل ، فرفع ما بعده ، هل يجوز أن تدخل عليه من التي للاستغراق فتقول : هل من قائم الزيدون ؟ كما تقول : هل قائم الزيدون ؟ والظاهر أنه لا يجوز . ألا ترى أنه إذا جرى مجرى الفعل ، لا يكون فيه عموم خلافه إذا أدخلت عليه من ، ولا أحفظ مثله في لسان العرب ، وينبغي أن لا يقدم على إجازة مثل هذا إلا بسماع من كلام العرب ؟ وقرأ الفضل بن إبراهيم النحوي : غير بالنصب على الاستثناء ، والخبر إما يرزقكم وإما محذوف ، ويرزقكم مستأنف ؛ وإذا كان يرزقكم مستأنفاً ، كان أولى لانتفاء صدق خالق على غير الله ، بخلاف كونه صفة ، فإن الصفة تقيد ، فيكون ثم خالق غير الله ، لكنه ليس برازق . ومعنى * ( مّنَ السَّمَاء ) * : بالمطر ، * ( والاْرْضِ ) * : بالنبات ، * ( لاَ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ ) * : جملة مستقلة لا موضع لها من الإعراب . * ( فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) * : أي كيف يصرفون على التوحيد إلى الشرك ، وأن يكذبوك إلى الأمور ، تقدم الكلام على ذلك .
* ( إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) * : شامل لجميع ما وعد من ثواب وعقاب وغير ذلك . وقرأ الجمهور : * ( الْغُرُورِ ) * بفتح الغين ، وفسره ابن عباس بالشيطان . وقرأ أبو حيوة ، وأبو السمال : بضمها جمع غار ، أو مصدراً ، كقوله : * ( فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ) * ، وتقدم الكلام على ذلك في آخر لقمان . * ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ) * : عداوته سبقت لابنا آدم ، وأي عداوة أعظم من أن يقول في بنيه : * ( لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) * ، * ( وَلاَضِلَّنَّهُمْ ) * ؟ * ( فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ) * : أي بالمقاطعة والمخالفة باتباع الشرع . ثم بين أن مقصوده في دعاء حزبه إنما هو تعذيبهم في النار ، يشترك هو وهم في العذاب ، فهو حريص على ذلك أشد الحرص حتى يبين صدق قوله في : * ( * فلاغوينهم ) * ، * ( مَّفْرُوضاً وَلاَضِلَّنَّهُمْ ) * ، لأن الاشتراك فيما يسوء مما قد يتسلى به بخلاف المنفرد بالعذاب . ثم ذكر الفريقين ، وما أعدّ لهما من العقاب والثواب . وبدأ بالكفار لمجاورة قوله : * ( إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ ) * ، فاتبع خبر الكافر بحاله في الآخرة . قال ابن عطية : واللام في ليكون لام الصيرورة ، لأنه لم يدعهم إلى السعير ، إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك . انتهى . ونقول : هو مما عبر فيه عن السبب بما تسبب عنه دعاؤهم إلى الكفر ، وتسبب عنه العذاب . و * ( الَّذِينَ كَفَرُواْ ) * ، * ( وَالَّذِينَ ءامَنُواْ ) * . مبتدآن ، وجوز بعضهم في * ( الَّذِينَ كَفَرُواْ ) * أن يكون في موضع خفض بدلاً * ( مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) * ، أو صفة ، وفي موضع نصب بدلاً من حزبه ، وفي موضع رفع بدلاً من ضمير * ( لّيَكُونُواْ ) * ، وهذا كله بمعزل من فصاحة التقسيم وجزالة التركيب .
* ( أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً ) * : أي فرأى سوء عمله حسناً ، ومن مبتدأ موصول ، وخبره محذوف . فالذي يقتضيه النظر أن يكون التقدير : كمن لم يزين له ، كقوله : * ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ ) * ، * ( أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ) * ، * ( أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ) * ، ثم قال : * ( كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ ) * ، وقاله الكسائي ، أي تقديره : تذهب نفسك عليهم حسرات لدلالة : * ( فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ ) * . وقيل : التقدير : فرآه حسناً ، فأضله الله كمن هداه الله ، فحذف ذلك لدلالة : * ( فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء ) * ، وذكر هذين الوجهين الزجاج . وشرح الزمخشري هنا * ( يُضِلُّ مَن يَشَاء ) * على طريقته في غير موضع من كتابه ، من أن الإضلال هو خذلانه وتخليته وشأنه ، وأتى بألفاظ كثيرة في هذا المعنى . وقرأ الجمهور : * ( أَفَمَن زُيّنَ * مُّبِيناً * لاَ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الاْمُورُ * يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَواةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ * الَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء ) * تسلية للرسول عن كفر قومه ، ووجوب التسليم لله في
تفسير البحر المحيط — صفحة 287
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٨٧