جوازه سماع من العرب . ولما أجابوا الله بدؤا بتنزيهه وبرائته من كل سوء ، كما قال عيس عليه السلام : * ( سُبْحَانَكَ ) * ، ثم انتسبوا إلى موالاته دون أولئك الكفرة ، أي * ( أَنتَ وَلِيُّنَا ) * ، إذ موالاة بيننا وبينهم .
وفي قولهم : * ( بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ) * ، إشعار لهم بما عبدوه ، وإن لم يصرح به . لكن الإضراب ببل يدل عليه وذلك لأن المعبود إذ لم يكن راضياً بعبادة عابده مريداً لها ، لم يكن ذلك العابد عابداً له حقيقة ، فلذلك قالوا : * ( بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ) * ، لأن أفعالهم القبيحة من وسوسة الشياطين وإغوائهم ومراداتهم عابدون لهم حقيقة ، فلذلك قالوا : * ( بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ) * ، إذ الشياطين راضون تلك الأفعال . وقيل : صورت لهم الشياطين صور قوم من الجن ، وقالوا : هذه صور الملائكة فاعبدوها . وقيل : كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت ، فيعبدون بعبادتها . وقال ابن عطية : لم تنف الملائكة عبادة البشر إياها ، وإنما أقرت أنها لم يكن لها في ذلك مشاركة . وعبادة البشر الجن هي فيما يقرون بطاعتهم إياهم ، وسماعهم من وسوستهم واغوائهم ، فهذا نوع من العبادة . وقد يجوز أن يكون في الأمم الكافرة من عبد الجن ، وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عبدت ، في سورة الأنعام وغيرها . انتهى . وإذا هم قد عبدوا الجن ، فما وجه قولهم : أكثرهم مؤمنون ، ولم يقولوا جميعهم ، وقد أخبروا أنهم كانوا يعبدون الجن ؟ والجواب أنهم لم يدعوا إلا حاطة ، إذ قد يكون في الكفارة من لم يطلع الملائكة عليهم ، أو أنهم حلموا على الأكثر بإيمانهم بالجن لأن الإيمان من عمل القلب ، فلم يذكروا الاطلاع على جميع أعمال قلوبهم ، لأن ذلك لله تعالى . ومعنى * ( مُؤْمِنُونَ ) * : مصدقون أنهم معبودوهم ، وقيل : مصدقون أنهم بنات الله ، وأنهم ملائكة ، * ( وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً ) * . وأما من قال بأن الأكثر بمعنى الجميع ، فلا يرد عليه شيء ، لكنه ليس موضوع اللغة .
* ( فَالْيَوْمَ ) * : هو يوم القيامة ، والخطاب في * ( بَعْضُكُمْ ) * ، قيل : للملائكة ، لأنهم المخاطبون في قوله : * ( أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ ) * ، ويكون ذلك تبكيتاً للكفار حين بين لهم أن من عبدوه لا ينفع ولا يضر ، ويؤيده : * ( وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى ) * ، ولأن بعده : * ( وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ) * ، ولو كان الخطاب للكفار ، لكان التركيب فذوقوا . وقيل : الخطاب للكفار ، لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم ، ويكون قوله : ويقول ، تأكيداً لبيان حالهم في الظلم . وقيل : هو خطاب من الله لمن عبد ومن عبد . وقوله : * ( نَفْعاً ) * ، قيل : بالشفاعة ، * ( وَلاَ ضَرّا ) * بالتعذيب . وقيل هنا : * ( الَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ ) * ، وفي السجدة : * ( الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ ) * كل منهما ، أي من العذاب ومن النار ، لأنهم هنا لم يكونوا ملتبسين بالعذاب ، بل ذلك أول مارأوا النار ، إذ جاء عقيب الحشر ، فوصفت لهم النار بأنها هي التي كنتم تكذبون بها . وأما الذي في السجدة ، فهم ملابسو العذاب ، متردّدون فيه لقوله : * ( كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا ) * ، فوصف لهم العذاب الذي هم مباشروه ، وهو العذاب المؤبد الذي أنكروه .
والإشارة بقوله : ما * ( هَاذَا إِلاَّ رَجُلٌ ) * ، إلى تالي الآيات ، المفهوم من قوله : * ( وَإِذَا تُتْلَى ) * ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وحكي تعالى مطاعنهم عند تلاوة القرآن عليهم ، فبدؤوا أولاً بالطعن في التالي ، فإنه يقدح في معبودات آلهتكم . ثانياً فيما جاء به الرسول من القرآن ، بأنه كذب مختلق من عنده ، وليس من عند الله . وثالثاً : بأن ما جاء به سحر واضح لما اشتمل على ما يوجب الاستمالة وتأثير النفوس له وإجابته . وطعنوا في الرسول ، وفيما جاء به ، وفي وصفه ، واحتمل أن يكون ذلك صدرمن مجموعهم ، واحتمل أن تكون كل جملة منها قالها قوم غير من قال الجملة الأخرى . وفي قوله : * ( لَمَّا جَاءهُمْ ) * دليل على أنه حين جاءهم لم يفكروا فيه ، بل بادروه بالإنكار ونسبته إلى السحر ، ولم يكتفوا بقولهم ، إنه سحر حتى وصفوه بأنه واضح لمن يتأمله . وقيل : إنكار القرآن والمعجزة كان متفقاً عليه من المشركين وأهل الكتاب ، فقال تعالى : * ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقّ ) * ، على وجه العموم .
* ( وَمَا ءاتَيْنَاهُمْ مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ * وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا
تفسير البحر المحيط — صفحة 274
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٧٤