لكنم . وقال قتادة : كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشر في أمان ، ولو وجد الرجل قاتل ابنه لم يهجه ، وكان المسافر لا يأخذ زاداً ولا سقاء مما بسط الله لم من النعم . وقال الزمخشري : * ( سِيرُواْ فِيهَا ) * ، إن شئتم بالليل ، وإن شئتم بالنهار ، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات ؛ أو سيروا فيا آمنين ولا تخافون ، وإن تطاولت مدة أسفاركم فيها وامتدت أياماً وليالي ؛ أو سيروا فيها لياليكم وأيامكم مدة أعماركم ، فإنكم في كل حين وزمان لا تلقون فيها إلا آمنين . انتهى . وقدم الليالي ، لأنها مظنة الخوف لمن قال : ومنّ عليهم بالأمن ، حتى يساوي الليل النهار في ذلك .
ولما طالت بهم مدة النعمة بطروا وملوا العافية ، وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ، كما فعلت بنو إسرائيل ، وقالوا : لو كان جني ثمارنا أبعد لكان أشهى وأغلى قيمة ، فتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد فقالوا : * ( رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) * . وقرأ جمهور السبعة : ربنا بالنصب على النداء ، باعد : طلب ؛ وابن كثير ، وأبو عمرو ، وهشام : كذلك ، إلا أنهم شددوا العين ؛ وابن عباس ، وابن الحنفية ، وعمرو بن فائد : ربنا رفعاً ، بعد فعلاً ماضياً مشدد العين ؛ وابن عباس أيضاً ، وابن الحنفية أيضاً ؛ وأبو رجاء ، والحسن ، ويعقوب ، وأبو حاتم ، وزيد بن علي ، وابن يعمر أيضاً ؛ وأبو صالح ، وابن أبي ليلى ، والكلبي ، ومحمد بن علي ، وسلام ، وأبو حيوة : كذلك ، إلا أنه بألف بين الباء والعين ؛ وسعيد بن أبي الحسن أخي الحسين ، وابن الحنفية أيضاً ، وسفيان بن حسين ، وابن السميفع : ربنا بالنصب ، بعد بضم العين فعلاً ماضياً بين بالنصب ، إلا سعيداً منهم ، فضم نون بين جعله فاعلاً ، ومن نصب ، فالفاعل ضمير يعود على السير ، أي أبعد السير بين أسفارنا ، فمن نصب ربنا جعله نداء ، فإن جاء بعده طلب كان ذلك أشراً منهم وبطراً وإن جاء بعد فعلاً ماضياً كان ذلك شكوى مما أحل بهم من بعد الأسفار التي طلبوها أولاً ، ومن رفع ربنا فلا يكون الفعل إلا ماضياً ، وهي جملة خبرية فيها شكوى بعضهم إلى بعض مما حل بهم من بعد الأسفار . ومن قرأ باعد ، أو بعد بالألف والتشديد ، فبين مفعول ، به لأنهما فعلان متعديان ، وليس بين ظرفاً . ألا ترى إلى قراءة من رفعه كيف جعله اسماً ؟ * ( فَكَذَلِكَ ) * إذا نصب وقرئ بعد مبنياً للمفعول . وقرأ ابن يعمر : بين سفرنا مفرداً ؛ والجمهور : بالجمع . * ( وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ ) * : عطف على * ( فَقَالُواْ ) * . وقال الكلبي : هو حال ، أي وقد ظلموا أنفسهم بتكذيب الرسل . * ( فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ) * : أي عظاة وعبراً يتحدث بهم ويتمثل . وقيل : لم يبق منهم إلا الحديث ، ولو بقي منهم طائفة لم يكونوا أحاديث . * ( وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) * : أي تفريفاً ، اتخذه الناس مثلاً مضروباً ، فقال كثير :
* أيادي سبايا عز ما كنت بعدكم
*
فلم يحل للعينين بعدك منظر
وقال قتادة : فرقناهم بالتباعد . وقال ابن سلام : جعلناهم تراباً تذروه الرياح . وقال الزمخشري : غسان بالشام ، وأنمار بيثرب ، وجذام بتهامة ، والأزد بعمان ؛ وفي التحرير وقع منهم قضاعة بمكة ، وأسد بالبحرين ، وخزاعة بتهامة . وفي الحديث أن سبأ أبو عشرة قبائل ، فلما جاء السيل على مأرب ، وهو اسم بلدهم ، تيامن منهم ستة قبائل ، أي تبدّدت في بلاد اليمن : كندة والأزد والسفر ومذ حج وأنمار ، التي منها بجيلة وخثعم ، وطائفة قيل لها حجير بقي عليها اسم الأب الأول ؛ وتشاءمت أربعة : لخم وجذام وغسان وخزاعة ، ومن هذه المتشائمة أولاد قتيلة ، وهم الأوس والخزرج ، ومنها عاملة وغير ذلك .
*
* ( إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَاتٍ ) * : أي في قصص هؤلاء لآية : أي علامة . * ( لّكُلّ صَبَّارٍ ) * ، عن المعاصي وعلى الطاعات . * ( شَكُورٍ ) * ، للنعم . والظاهر أن الضمير في * ( عَلَيْهِمْ ) * عائد على من قبله من أهل سبأ ، وقيل : هو لبني آدم . وقرأ ابن عباس ، وقتادة ، وطلحة ، والأعمش ، وزيد بن علي ، والكوفيون : * ( صَدَقَ ) * بتشديد الدال ، وانتصب * ( ظَنَّهُ ) * على أنه مفعول بصدق ، والمعنى : وجد ظنه صادقاً ، أي ظن شيئاً فوقع ما ظن . وقرأ باقي السبعة : بالتخفيف ، فانتصب ظنه على المصدر ، أي يظن ظناً ، أو على إسقاط الحرف ، أي في ظنه ، أو على المفعول به نحو قولهم : أخطأت ظني ، وأصبت
تفسير البحر المحيط — صفحة 262
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٦٢