بأحدهما ، حيث جوز هذا وجوز هذا ، ولم يجزم بأنه افتراء محض ، احترازاً من أن ينسب الكذب لعاقل نسبة قطعية ، إذا العاقل حتى الكافر لا يرضى بالكذب ، لا من نفسه ولا من غيره ، وأضرب تعالى عن مقالتهم ، والمعنى : ليس للرسول كما نسبتم البتة ، بل أنتم في عذاب النار ، أو في عذاب الدنيا بما تكابدونه من إبطال الشرع وهو بحق ، وإطفاء نور الله وهو متم .
ولما كان الكلام في البعث قال : * ( بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ ) * ، فرتب العذاب على إنكار البعث ، وتقدم الكلام في وصف الضلال بالبعد ، وهو من أوصاف المحال استعير للمعنى ، ومعنى بعده : أنه لا ينقضي خبره المتلبس به . * ( أَفَلَمْ يَرَوْاْ ) * : أي هؤلاء الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة ، * ( إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) * : أي حيث ما تصرفوا ، فالسماء والأرض قد أحاطتا بهم ، ولا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما ، ولا يخرجوا عن ملكوت الله فيهما . وقال الزمخشري : أعموا فلم ينظروا ، جعل بين الفاء والهمزة فعلاً يصح العطف عليه ، وهو خلاف ما ذهب إليه النحويون من أنه لا محذوف بينهما ، وأن الفاء للعطف على ما قبل همزة الاستفهام ، وأن التقدير فالم ، لكن همزة الاستفهام لما كان لها الصدر قدمت ، وقد رجع الزمخشري إلى مذهب النحويين في ذلك ، وقد رددنا عليه هذا المذهب فيما كتبناه في ( شرح التسهيل ) . وقفهم تعالى على قدرته الباهرة ، وحذرهم إحاطتها بهم على سبيل الإهلاك لهم ، وكان ثم حال محذوفة ، أي أفلا يرون إلى ما يحيط بهم من سماء وأرض مقهور تحت قدرتنا نتصرف فيه كما نريد ؟
* ( إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الاْرْضَ ) * ، كما فعلنا بقارون ، * ( أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ السَّمَاء ) * ، كما فعلنا بأصحاب الظلة ، أو * ( أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) * محيطاً بهم ، وهم مقهورون تحت قدرتنا ؟ * ( إِنَّ فِى ذَلِكَ ) * النظر إلى السماء والأرض ، والفكر فيهما ، وما يدلان عليه من قدرة الله ، * ( لآيَةً ) * : لعلامة ودلالة ، * ( لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ) * : راجع إلى ربه ، مطيع له . قال مجاهد : مخبت . وقال الضحاك : مستقيم . وقال أبو روق : مخلص في التوحيد . وقال قتادة : مقبل إلى ربه بقلبه ، لأن المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله على أنه قادر على كل شيء من البعث ومن عقابه من يكفر به . وقرأ الجمهور : إن نشأ نخسف ونسقط بالنون في الثلاثة ؛ وحمزة والكسائي ، وابن وثاب ، وعيسى ، والأعمش ، وابن مطرف : بالياء فيهن ؛ وأدغم الكسائي الفاء في الباء في نخسف بهم . قال أبو علي : وذلك لا يجوز ، لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء ، فلا تدغم فيها ، وإن كانت الباء تدغم في الفاء ، نحو : اضرب فلاناً ، وهذا ما تدغم الباء في الميم ، كقولك : اضرب مالكاً ، ولا تدغم الميم في الباء ، كقولك : اصمم بك ، لأن الباء انحطت عن الميم بفقد الغنة التي في الميم . وقال الزمخشري : وقرأ الكسائي نخسف بهم ، بالإدغام ، وليست بقوية . انتهى . والقراءة سنة متبعة ، ويوجد فيها الفصيح والأفصح ، وكل ذلك من تيسيرة تعالى القرآن للذكر ، فلا التفات لقول أبي علي ولا الزمخشري .
* ( وَلَقَدْ ءاتَيْنَا * دَاوُودُ * مِنَّا فَضْلاً ياجِبَالُ * جِبَالٍ * أَوّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدّرْ فِى السَّرْدِ وَاعْمَلُواْ صَالِحاً إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلِسُلَيْمَانَ الرّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ * لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِير ( سقط : يعملون له ما يشاء إلى نهاية الآية ) ِ ) * .
تفسير البحر المحيط — صفحة 251
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢٥١