تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
الاقتداء . فكما نصركم ووازركم حتى قاتل بنفسه عدوكم ، فكسرت رباعيته الكريمة ، وشج وجهه الكريم ، وقتل عمر ، وأودي ضروباً من الإيذاء ؛ يجب عليكم أن تنصروه وتوازروه ، ولا ترغبوا بأنفسكم عن نفسه ، ولا عن مكان هو فيه ، وتبذلوا أنفسكم دونه ؛ فما حصل لكم من الهداية للإسلام أعظم من كل ما تفعلونه معه / صلى الله عليه وسلم ) ، من النصرة والجهاد في سبيل الله ، ويبعد قول من قال : إن خطاب للمنافقين . * ( وَالْيَوْمِ الاْخِرِ ) * : يوم القيامة . وقيل : يوم السياق . و * ( أُسْوَةٌ ) * : اسم كان ، و * ( لَكُمْ ) * : الخبر ، ويتعلق * ( فِى رَسُولِ اللَّهِ ) * بما يتعلق به * ( لَكُمْ ) * ، أو يكون في موضع الحال ، لأنه لو تأخر جاز أن يكون نعتاً بعد لأسوة ، أو يتعلق بكان على مذهب من أجاز في كان وأخواتها الناقصة أن تعمل في الظرف والمجرور ، ويجوز أن يكون * ( فِى رَسُولِ اللَّهِ ) * الخبر ، ولكم تبيين ، أي لكم ، أعني : * ( لّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ ) * . قال الزمخشري : بدل من لكم ، كقوله : * ( لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ ) * . انتهى . ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ، ولا من ضمير المخاطب ، اسم ظاهر في بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة ، وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش ، ويدل عليه قول الشاعر : * بكم قريش كفينا كل معضلة * وأمّ نهج الهدى من كان ضليلاً وقرأ الجمهور : إسوة بكسر الهمزة ؛ وعاصم بضمها . والرجاء : بمعنى الأمل أو الخوف . وقرن الرجاء بذكر الله ، والمؤتسي برسول الله ، هو الذي يكون راجياً ذاكراً . ولما بين تعالى المنافقين وقولهم : * ( مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ) * ، بين حال المؤمنين ، وقولهم صندماً قال المنافقون . وكان الله وعدهم أن يزلزلهم حتى يستنصروه في قوله : * ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ ) * الآية . فلما جاء الأحزاب ، ونهض بهم للقتال ، واضطربوا ، * ( قَالُواْ هَاذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) * ، وأيقنوا بالجنة والنصر . وعن ابن عباس ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ) ، لأصحابه : ( إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً ) ، أي في آخر تسع ليال أو عشر . فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا ذلك . وقيل : الوعد هو ما جاء في الآية مما وعده عليه السلام حين أمر بحفر الخندق ، فإنه أعلمهم بأنهم يحضرون ، وأمرهم بالاستعداد لذلك ، وأعلمهم أنهم سينصرون بعد ذلك . فلما رأوا الأحزاب قالوا ذلك ، فسلموا الأول الأمر ، وانتظروا آخره . وهذا إشارة إلى الخطب ، إيماناً بالله وبما أخبر به الرسول مما لم يقع ، كقولك : فتح مكة وفارس والروم ، فالزيادة فيما يؤمن ، لا في نفس الإيمان . * وقرأ ابن أبي عبلة : وما زادوهم ، بالواو ، وضمير الجمع يعود على الأحزاب ، وتقول : صدقت زيداً الحديث ، وصدقت زيداً في الحديث . وقد عدت صدق هذه في ما يتعدى بحرف الجر ، وأصله ذلك ، ثم يتسع فيه فيحذف الحرف ويصل الفعل إليه بنفسه ، ومنه قولهم في المثل : صدقني سن بكره ، أي في سن بكره . فما عاهدوا ، إما أن يكون على إسقاط الحرف ، أي فيما عاهدوا ، والمفعول الأول محذوف ، والتقدير : صدقوا الله ، وإما أن يكون صدق يتعدى إلى واحد ، كما تقول : صدقني أخوك إذا قال لك الصدق ، وكذبك أخوك إذا قال لك الكذب . وكان المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً ، كأنهم قالوا للمعاهد عليه : سنفي لك ، وهم وافون به ، فقد صدقوه ، ولو كانوا ناكثين لكذبوه ، وكان مكذوباً . وهؤلاء الرجال ، قال مقاتل والكلبي : هم أهل العقبة السبعون ، أهل البيعة . وقال أنس : نزلت في قوم لم يشهدوا بدراً ، فعاهدوا أن لا يتأخروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، فوفوا . وقال زيد بن رومان : بنو حارثة . * ( فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى
تفسير البحر المحيط — صفحة 216 | أبي حيان الأندلسي / الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض / زكريا عبد المجيد النوقي و أحمد النجولي الجمل