تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) * ، المعنى : يغشاهم محيطاً بجميع أبدانهم . وزيغ الأبصار : ميلها عن مستوى نظرها ، فعل الواله الجزع . وقال الفراء : زاغت من كل شيء ، فلم تلتفت إلا إلى عدوها . وبلوغ القلب الحناجر : مبالغة في اضطرابها ووجيبها ، دون أن تنتقل من مقرها إلى الحنجرة . وقيل : بحت القلوب من شدة الفزع ، فيتصل وجيبها بالحنجرة ، فكأنها بلغتها . وقيل : يجد خشونة وقلبه يصعد علواً لينفصل ، فالبلوغ ليس حقيقة . وقيل : القلب عند الغضب يندفع ، وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة . وقيل : يفضي إلى أن يسد مخرج النفس ، فلا يقدر المرء أن يتنفس ، ويموت خوفاً ، ومثله : * ( إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ ) * . وقيل : إذا انتفخت الرئة من شدّة الفزع والغضب ، أو الغم الشديد ، ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة ، ومن ثم قيل للجبان ، انتفخ سحره . والظنون : جمع لما اختلفت متعلقاته ، وإن كان لا ينقاس عند من جمع المصدر إذا اختلفت متعلقاته ، وينقاس عند غيره ، وقد جاء الظنون جمعاً في أشعارهم ، أنشد أبو عمرو في كتاب الألحان :
* إذا الجوزاء أردفت التريا
*
ظننت بآل فاطمة الظنونا
*
فظن المؤمنون الخلص أن ما وعدهم الله من النصر حق ، وأنهم يستظهرون ؛ وظن الضعيف الإيمان مضطربه ، والمنافقون أن الرسول والمؤمنين سيغلبون ، وكل هؤلاء يشملهم الضمير في * ( وَتَظُنُّونَ ) * . وقال الحسن : ظنوا ظنوناً مختلفة ، ظن المنافقون أن المسليمن يستأصلون ، وظن المؤمنون أنهم يبتلون . وقال ابن عطية : أي يكادون يضطربون ، ويقولون : ما هذا الخلف للوعد ؟ وهذه عبارة عن خواطر خطرت للمؤمنين ، لا يمكن البشر دفعها . وأما المنافقون فعجلوا ونطقوا . وقال الزمخشري : ظن المؤمنون الثبت القلوب بالله أن يبتلهيهم ويفتنهم ، فخافوا الزلل وضعف الاحتمال ؛ والضعاف القلوب الذين هم على حرف والمنافقون ظنوا بالله ما حكى عنهم ، وكتب : الظنونا والرسولا والسبيلا في المصحف بالألف ، فحذفها حمزة وأبو عمر ووقفاً ووصلاً ؛ وابن كثير ، والكسائي ، وحفص : بحذفها وصلاً خاصة ؛ وباقي السبعة : بإثباتها في الحالين . واختار أبو عبيد والحذاق أن يوقف على هذه الكلمة بالألف ، ولا يوصل ، فيحذف أو يثبت ، لأن حذفها مخالف لما اجتمعت عليه مصاحف الأمصار ، ولأن إثباتها الوصل معدوم في لسان العرب ، نظمهم ونثرهم ، لا في اضطرار ولا غيره . أما إثباتها في الوقف ففيه اتباع الرسم وموافقته لبعض مذاهب العرب ، لأنهم يثبتون هذه الألف في قوافي أشعارهم وفي تصاريفها ، والفواصل في الكلام كالمصارع . وقال أبو علي : هي رؤوس الآي ، تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع ، كما كانت القوافي مقاطع .
و * ( هُنَالِكَ ) * : ظرف مكان للبعيد هذا أصله ، فيحمل عليه ، أي في ذلك المكان الذي وقع فيه الحصار والقتال * ( ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ ) * ، والعامل فيه ابتلي . وقال ابن عطية : * ( هُنَالِكَ ) * ظرف زمان ؛ قال : ومن قال إن العامل فيه * ( وَتَظُنُّونَ ) * ، فليس قوله بالقوي ، لأن البداءة ليست متمكنة . وابتلاؤهم ، قال الضحاك : بالجوع . وقال مجاهد : بالحصار . وقيل : بالصبر على الإيمان . * ( وَزُلْزِلُواْ ) * ، قال ابن سلام : حركوا بالخوف . وقيل ؛ * ( * زلزلوا ) * ، فثبتوا وصبروا حتى نصروا . وقيل : حركوا إلى الفتنة فعصموا . وقرأ الجمهور : وزلزلوا ، بضم الزاي . وقرأ أحمد بن موسى اللؤلؤي ، عن أبي عمرو : بكسر الزاي ، قال ابن خالويه . وقال الزمخشري ، وعن أبي عمرو : إشمام زاي زلزلوا . انتهى ، كأنه يعني : إشمامها الكسر ، ووجه الكسر في هذه القراءة الشاذة أنه أتبع حركة الزاي الأولى بحركة الثانية ، ولم يعتد بالساكن ، كما يعتدّ به من قال : منتن ، بكسر الميم إتباعاً لحركة التاء ، وهو اسم فاعل من أنتن . وقرأ الجمهور : * ( وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً ) * ، بكسر الزاي ؛ والجحدري . وعيسى : بفتحها ، وكذا : * ( إِذَا زُلْزِلَتِ الاْرْضُ زِلْزَالَهَا ) * ، ومصدر فعلل من المضاعف يجوز فيه الكسر والفتح نحو : قلقل قلقالاً . وقد يراد بالمفتوح معنى
تفسير البحر المحيط — صفحة 211
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٢١١