ما عقبه به من قوله : * ( فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ ) * ؟ فجعل ذوق العذاب نتيجة فعلهم من نسيان العاقبة وقلة الفكر فيها ، وترك الاستعداد لها . والمراد بالنسيان : خلاف التذكر ، يعني : أن الانهماك في الشهوات أنهككم وألهاكم عن تذكر العاقبة ، وسلط عليكم نسيانها . ثم قال : * ( إِنَّا نَسِينَاكُمْ ) * على المقابلة : أي جازيناكم جزاء نسيانكم . وقيل : هو بمعنى الترك ، قاله ابن عباس وغيره ، أي تركتم الفكر في العاقبة ، فتركناكم من الرحمة . انتهى . وقوله : على طريق الإلجاء والقسر ، هو قول المعتزلة . وقالت الإمامية : يجوز أن يريد هداها إلى طريق الجنة في الآخرة ، ولم يعاقب أحداً ، لكن حق القول منه أن يملأ جهنم ، فلا يجب على الله هداية الكل إليها . قالوا : بل الواجب هداية المعصومين ؛ فأما من له ذنب ، فجائز هدايته إلى النار جزاء على أفعاله ، وفي جواز ذلك منع لقطعهم على أن المراد هداها إلى الإيمان . انتهى . و * ( هَاذَا ) * : صفة ليومكم ، ومفعول * ( فَذُوقُواْ ) * محذوف ، أو مفعول فذوقوا هذا العذاب بسبب نسيانكم * ( لِقَاء يَوْمِكُمْ هَاذَا ) * ، وهو ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم ؛ أو ذوقوا العذاب المخلد في جهنم . وفي استئناف قوله : * ( إِنَّا نَسِينَاكُمْ ) * ، وبناء الفعل على إن واسمها تشديد في الانتقام منهم .
* ( وَإِنَّمَا * يُؤْمِنُ بِئَايَاتِنَا ) * : أثنى تعالى على المؤمنين في وصفهم بالصفة الحسنى ، من سجودهم عند التذكير ، وتسبيحهم وعدم استكبارهم ؛ بخلاف ما يصنع الكفرة من الإعراض عن التذكير ، وقول الهجر ، وإظهار التكبر ؛ وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن . وقال ابن عباس : السجود هنا بمعنى الركوع . وروي عن ابن جريج : المسجد مكان الركوع ، يقصد من هذا ويلزم على هذا أن تكون الآية مدنية ومن مذهب ابن عباس أن القارئ للسجدة يركع ، واستدل بقوله : * ( وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ) * . * ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ ) * : أي ترتفع وتتنحى ، يقال : جفا الرجل الموضع : تركه . قال عبد الله بن رواحة :
* نبي تجافى جنبه عن فراشه
*
إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
*
وقال الزجاج والرماني : التجافي : التنحي إلى جهة فوق . والمضاجع : أماكن الاتكاء للنوم ، الواحد مضجع ، أي هم منتبهون لا يعرفون نوماً . وقال الجمهور : المراد بهذا التجافي صلاة النوافل بالليل ، وهو قول الأوزاعي ومالك والحسن البصري وأبي العالية وغيرهم . وفي الحديث ، ذكر قيام الليل ، ثم استشهد بالآية ، يعني الرسول . وقال أبو الدرداء ، وقتادة ، والضحاك : تجافي الجنب : هو أن يصلي العشاء والصبح في جماعة . وقال الحسن : هو التهجد ؛ وقال أيضاً : هو وعطاء : هو العتمة . وفي الترمذي ، عن أنس : نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة . وقال قتادة ، وعكرمة : التنفل ما بين المغرب والشعاء ، * ( يَدَّعُونَ ) * : حال ، أو مستأنف خوفاً وطمعاً ، مفعول من أجله ، أو مصدران في موضع الحال . والظاهر أن الدعاء هو : الابتهال إلى الله ، وقيل : الصلاة .
وقرأ الجمهور : * ( مَّا أُخْفِىَ لَهُم ) * ، فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول ؛ وحمزة ، والأعمش ، ويعقوب : بسكون الياء ، فعلاً مضارعاً للمتكلم ؛ وابن مسعود : وما نخفي ، بنون العظمة ؛ والأعمش أيضاً : أخفيت . وقرأ محمد بن كعب : ما أخفي ، فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل . وقرأ الجمهور : * ( مّن قُرَّةِ ) * ، على الإفراد . وقرأ عبد الله ، وأبو الدرداء ، وأبو هريرة ، وعوف العقيلي : من قرأت ، على الجمع بالألف والتاء ، وهي رواية عن أبي جعفر والأعمش ؛ و * ( مَّا أُخْفِىَ ) * يحتمل أن تكون موصولة ، وأن تكون استفهامية ، فيكون * ( تَعْلَمْ ) * متعلقة . والجملة في موضع المفعول ، إن كان * ( تَعْلَمْ ) * مما عدى لواحد ؛ وفي موضع المفعولين إن كانت تتعدى لاثنين ، وتقدم تفسيره في * ( قُرَّةُ عَيْنٍ ) * في طه وفي الحديث ، قال النبي صلى الله عليه وسلم ) : ( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، اقرؤا إن شئتم : * ( فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) * ) . وقال ابن مسعود : في التوراة مكتوب على الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت إلى آخره . * ( وَلاَ * تَعْلَمُ نَفْسٌ ) * : نكرة في سياق النفي ، فيعم جميع الأنفس مما ادّخرا لله تعالى
تفسير البحر المحيط — صفحة 197
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص١٩٧