يحتمل أن يكون التقدير : وآتيناه الحكمة ، إذ قال ، واختصر لدلالة المتقدم عليه . وابنه بارّ ، أي : أو أنعم ، أو اشكر ، أو شاكر ، أقوال . * ( وَهُوَ يَعِظُهُ ) * : جملة حالية . قيل : كان ابنه وامرأته كافرين ، فما زال يعظهما حتى أسلما . والظاهر أن قوله : * ( إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) * من كلام لقمان . وقيل : هو خبر من الله ، منقطع عن كلام لقمان ، متصل به في تأكيد المعنى ؛ وفي صحيح مسلم ما ظاهره أنه من كلام لقمان . وقرأ البزي : * ( أَوْ بَنِى ) * ، بالسكون ، و * ( وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا ) * : بكسر الياء ، و * ( لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً أَقِمِ ) * : بفتحها . وقيل : بالسكون في الأولى والثانية ، والكسر في الوسطى ؛ وحفص والمفضل عن عاصم : بالفتح في الثلاثة على تقدير يا بنيا ، والاجتزاء بالفتحة عن الألف . وقرأ باقي السبعة : بالكسر في الثلاثة .
* ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوالِدَيْهِ ) * : لما بين لقمان لابنه أن الشرك ظلم ونهاه عنه ، كان ذلك حثاً على طاعة الله ، ثم بين أن الطاعة تكون للأبوين ، وبين السبب في ذلك ، فهو من كلام لقمان مما وصى به ابنه ، أخبر الله عنه بذلك . وقيل : هو من كلام الله ، قاله للقمان ، أي قلنا له اشكر . وقلنا له : * ( وَوَصَّيْنَا ) * . وقيل : هذه الآية اعتراض بيّن أثناء وصيته للقمان ، وفيها تشديد وتوكيد لاتباع الولد والده ، وامتثال أمره في طاعة الله تعالى . وقال القرطبي : والصحيح أن هذه الآية وآية العنكبوت نزلتا في سعد بن أبي وقاص ، وعليه جماعة من المفسرين . ولما خص الأم بالمشقات من الحمل والنفاس والرضاع والتربية ، نبه على السبب الموجب للإيصاء ، ولذلك جاء في الحديث الأمر ببرّ الأم ثلاث مرات ، ثم ذكر الأب ، فجعل له مرة الربع من المبرة .
* ( وَهْناً عَلَى وَهْنٍ ) * ، قال ابن عباس : شدة بعد شدة ، وخلقاً بعد خلق . وقال الضحاك : ضعفاً بعض ضعف . وقال قتادة : جهداً على جهد ، يعني : ضعف الحمل ، وضعف الطلق ، وضعف النفاس ، وانتصب على هذه الأقوال على الحال . وقيل : * ( وَهْناً عَلَى وَهْنٍ ) * : نطفة ثم علقة ، إلى آخر النشأة ، فعلى هذا يكون حالاً من الضمير المنصوب في حملته ، وهو الولد . وقرأ عيسى الثقفي ، وأبو عمرو في رواية : وهناً على وهن ، بفتح الهاء فيهما ، فاحتمل أن يكون كالشعر والشعر ، واحتمل أن يكون مصدر وهن بكسر الهاء يوهن وهناً ، بفتحها في المصدر قياساً . وقرأ الجمهور : بسكون الهاء فيهما . وقرؤا : * ( وَفِصَالُهُ ) * . وقرأ الحسن ، وأبو رجاء ، وقتادة ، والجحدري ، ويعقوب : وفصله ، ومعناه الفطام ، أي في تمام عامين ، عبر عنه بنهايته ، وأجمعوا على اعتبار العامين في مدة الرضاع في باب الأحكام والنفقات ، وأما في تحريم اللبن في الرضاع فخلاف مذكور في الفقه . و * ( أَنِ اشْكُرْ ) * في موضع نصب ، على قول الزجاج . وقال النحاس : الأجود أن تكون مفسرة . * ( لِى ) * : أي على نعمة الإيمان . * ( وَلِوالِدَيْكَ ) * : على نعمة التربية * ( إِلَىَّ الْمَصِيرُ ) * : توعد أثناء الوصية . * ( وَإِن جَاهَدَاكَ ) * إلى : * ( فَلاَ تُطِعْهُمَا ) * : تقدم الكلام عليه في العنكبوت ، إلا أن هنا عليّ ، وهناك لتشرك بلام العلة . وانتصب * ( مَّعْرُوفاً ) * على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي صحاباً ، أو مصاحباً معروفاً وعشرة جميلة ، وهو إطعامهما وكسوتهما وعدم جفائهما وانتهارهما ، وعيادتما إذا مرضا ، ومواراتهما إذا ماتا . * ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ) * : أي رجع إلى الله ، وهو سبيل الرسول لا سبيلهما . * ( ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ) * : أي مرجعك ومرجعهما ، فأجازي كلاً منكم بعمله .
ولما نهى لقمان ابنه عن الشرك ، نبهه على قدرة الله ، وأنه لا يمكن أن يتأخر عن مقدوره شيء فقال : * ( تَعْمَلُونَ يابُنَىَّ إِنَّهَا إِن تَكُ ) * ، والظاهر أن الضمير في إنها ضمير القصة . وقرأ نافع : مثقال ، بالرفع على * ( إِن تَكُ ) * تامة ، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر ، وأخبر عن مثقال ، وهو مذكر ، إخبار المؤنث ، لأضافته إلى مؤنث ، وكأنه قال : إن تك زنة حبة ؛ وباقي السبعة : بالنصب على * ( إِن تَكُ ) * ناقصة ، واسمها ضمير يفهم من سياق الكلام تقديره : هي ، أي التي سألت عنها . وكان فيما روي قد سأل لقمان ابنه : أرأيت الحبة تقع في مغاص البحر ؟ أيعلمها الله ؟ فيكون الضمير ضمير جوهر لا ضمير عرض ، ويؤيده قوله : * ( إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ ) * . وقرأ عبد الكريم الجزري : فتكن ، بكسر الكاف وشد النون وفتحها ؛ وقراءة محمد بن أبي فجة البعلبكي : فتكن ، بضم التاء وفتح الكاف والنون مشددة . وقرأ قتادة : فتكن ، بفتح التاء وكسر الكاف وسكون النون ، من وكن يكن ، ورويت هذه القراءة عن عبد الكريم الجزري أيضاً : أي تستقر ، ويجوز أن يكون الضمير ضمير عرض ، أي تلك الفعلة من الطاعة أو المعصية . وعلى من قرأ بنصب مثقال ، يجوز أن يكون الضمير في أنها ضمير الفعلة ، لا ضمير القصة . قال الزمخشري : فمن نصب يعني مثقال ، كان الضمير للهيئة من الإساءة والإحسان ، أي كانت مثلاً في الصغر والقماءة ، كحبة
تفسير البحر المحيط — صفحة 182
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص١٨٢