يعم الناس ، * ( لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ) * ، المرد : مصدر رد ، ومن الله : يحتمل أن يتعلق بيأتي ، أي من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد حتى لا يأتي لقوله : * ( فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا ) * ، ويحتمل أن يتعلق بمحذوف يدل عليه مرد ، أي لا يرده هو بعد أن يجيء به ، ولا رد له من جهته . * ( يَوْمَئِذٍ ) * : أي يوم إذ يأتي ذلك اليوم . * ( يَصَّدَّعُونَ ) * : يتفرقون ، فريق في الجنة ، وفريق في السعير . يقال : تصدع القوم إذا تفرقوا ، ومنه الصداع ، لأنه يفرق شعب الرأس ، وقال الشاعر :
* وكنا كندماني جذيمة حقبة
*
من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
ثم ذكر حالتي المتفرقين : * ( مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ) * : أي جزاء كفره ، وعبر عن حالة الكافر بعلية ، وهي تدل على الفعل والمشقة ، وعن حال المؤمن بقوله : * ( فَلاِنفُسِهِمْ ) * ، باللام التي هي لام الملك . و * ( يَمْهَدُونَ ) * : يوطئون ، وهي استعارة من الفرش ، وعبارة عن كونهم يفعلون في الدنيا ما يلقون به ، ما تقر به أعينهم وتسر به أنفسهم في الجنة . وقال مجاهد : هو التمهيد للقبر . وقال الزمخشري : وتقديم الظرف في الموضعين لدلالة على أن ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر لا يتعداه ، ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تتجاوزه . انتهى . وهو على طريقته في دعواه أن تقديم المفعول وما جرى مجراه يدل على الاختصاص ، وأما على مذهبنا فيدل على الاهتام ، وأما ما يدعيه من الاختصاص فمفهوم من آي كثيرة في القرآن منها : * ( وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) * . واللام في * ( لِيَجْزِىَ ) * ، قال الزمخشري : متعلق بيمهدون ، تعليل له وتكرير * ( الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ) * ، وترك الضمير إلى الصريح لتقديره أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح . وقوله : * ( أَن لا * يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) * ، تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس . وقال ابن عطية : ليجزي متعلق بيصدعون ، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره ذلك ليجزي ، وتكون الإشارة إلى ما تقرر من قوله تعالى : * ( مَن كَفَرَ ) * ، * ( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً ) * . انتهى . ويكون قسم * ( الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ) * على هذين التقديرين اللذين ذكرهما ابن عطية محذوفاً تقديره : كأنه قال : والكافرون بعد له ، ودل على حذف هذا القسيم قوله : * ( إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) * . ومعنى نفي الحب هنا : أنه لا تظهر عليهم أمارات رحمته ، ولا يرضى الكفر لهم ديناً . وقال الزمخشري : * ( مِن فَضْلِهِ ) * : بما تفضل عليهم بعد توفية الواجب من الثواب ، وهذا يشبه الكناية ، لأن الفضل تبع للثواب ، فلا يكون إلا بعد حصول ما هو تبع له ، أو أراد من عطائه ، وهو ثوابه ، لأن الفضول والفواضل هي الأعطية عند العرب .
*
* ( وَمِنْ ءايَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرّيَاحَ مُبَشّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِىَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءوهُم بِالْبَيّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ * اللَّهُ ( سقط : الذي يرسل الرياح إلى آخر الآية ) ) * .
تفسير البحر المحيط — صفحة 172
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص١٧٢