قالت وفيها حيرة وذعر
عوذ يرى منكم وحجر
*
وأنه واجب إضمار ناصبها . قال سيبويه : ويقول الرجل للرجل أتفعل كذا ؟ فيقول حجراً وهي من حجره إذا منعه لأن المتسعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه لا يلحقه .
وقرأ أبو رجاء والحسن والضحاك * ( حِجْراً ) * بضم الحاء . وقيل : الضمير في * ( وَيَقُولُونَ ) * عائد على الملائكة أي تقول الملائكة للمجرمين * ( حِجْراً مَّحْجُوراً ) * عليكم البشرى و * ( مَّحْجُوراً ) * صفة يؤكد معنى * ( حِجْراً ) * كما قالوا : موت مائت ، وذيل ذائل ، والقدوم الحقيقي مستحيل في حق الله تعالى فهو عبارة عن حكمه بذلك وإنفاذه .
قيل : أو على حذف مضاف أي قدمت ملائكتنا وأسند ذلك إليه لأنه عن أمره ، وحسنت لفظة * ( * قدمنا ) * لأن القادم على شيء مكروه لم يقرره ولا أمر به مغير له ومذهب ، فمثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف ، ومنّ علي أسير . وغير ذلك من مكارمهم بحال قوم خالفوا سلطانهم فقصد إلى ما تحت أيديهم فمزقها بحيث لم يترك لها أثراً ، وفي أمثالهم أقل من الهباء و * ( هَبَاء مَّنثُوراً ) * صفة للهباء شبهه بالهباء لقلته وأنه لا ينتفع به ، ثم وصفه بمنثوراً لأن الهباء تراه منتظماً مع الضوء فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب . وقال الزمخشري : أو جعله يعني * ( مَّنثُوراً ) * مفعولاً ثالثاً لجعلناه أي * ( فَجَعَلْنَاهُ ) * جامعاً لحقارة الهباء والتناثر . كقوله * ( كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) * أي جامعين للمسخ والخسء انتهى . وخالف ابن درستويه فخالف النحويين في منعه أن يكون لكان خبران وأزيد . وقياس قوله في جعل أن يمنع أن يكون لها خبر ثالث .
وقال ابن عباس : الهباء المنثور ما تسفي به الرياح وتبثه . وعنه أيضاً : الهباء الماء المهراق والمستقر مكان الاستقرار في أكثر الأوقات . والمقيل المكان الذي يأوون إليه في الاسترواح إلى الأزواج والتمتع ، ولا نوم في الجنة فسمي مكان استرواحهم إلى الحور * ( مَقِيلاً ) * على طريق التشبيه إذ المكان المتخير للقيلولة يكون أطيب المواضع . وفي لفظ * ( أَحْسَنُ ) * رمز إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الوجوه وملاحة الصور إلى غير ذلك من التحاسين . و * ( خَيْرٌ ) * قيل : ليست على بابها من استعمالها دلالة على الأفضلية فيلزم من ذلك خير في مستقر أهل النار ، ويمكن إبقاؤها على بابها ويكون التفضيل وقع بين المستقرين والمقيلين باعتبار الزمان الواقع ذلك فيه . فالمعنى * ( خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً ) * في الآخرة من الكفار المترفين في الدنيا * ( وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ) * في الآخرة من أولئك في الدنيا . وقيل : * ( خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً ) * منهم لو كان لهم مستقر ، فيكون التقدير وجود مستقر لهم فيه خير . وعن ابن مسعود وابن عباس والنخعي وابن جبير وابن جريج ومقاتل : إن الحساب يكمل في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا ، ويقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار .
2 ( * ( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَئِكَةُ تَنزِيلاً * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَانِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً * وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يالَيْتَنِى اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * ياوَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً * لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِى وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً * وَقَالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُواْ هَاذَا الْقُرْءاَنَ مَهْجُوراً * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَة
تفسير البحر المحيط — صفحة 452
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤٥٢