تقديره * ( إِنَّكُمْ ) * تبعثون * ( إِذَا مِتٌّ مْ ) * وهذا الخبر المحذوف هو العامل في * ( إِذَا ) * وذهب الفراء والجرمي والمبرد إلى أن * ( إِنَّكُمْ ) * الثانية كررت للتأكيد لما طال الكلام حسن التكرار ، وعلى هذا يكون * ( مُّخْرَجُونَ ) * خبر * ( إِنَّكُمْ ) * الأولى ، والعامل في * ( إِذَا ) * هو هذا الخبر ، وكان المبرد يأبى البدل لكونه من غير مستقبل إذ لم يذكر خبر أن الأولى . وذهب الأخفش إلى أن * ( أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ ) * مقدر بمصدر مرفوع بفعل محذوف تقديره : يحدث إخراجكم فعلى هذا التقدير يجوز أن تكون الجملة الشرطية خبراً لأنكم ، ويكون جواب * ( إِذَا ) * ذلك الفعل المحذوف ، ويجوز أن يكون ذلك الفعل المحذوف هو خبر * ( إِنَّكُمْ ) * ويكون عاملاً في * ( إِذَا ) * .
وذكر الزمخشري قول المبرد بادئاً به فقال : شيء * ( إِنَّكُمْ ) * للتوكيد ، وحسن ذلك الفصل ما بين الأول والثاني بالظرف و * ( مُّخْرَجُونَ ) * خبر عن الأول وهذا قول المبرد . قال الزمخشري : أو جعل * ( أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ ) * مبتدأ و * ( إِذَا مِتٌّ مْ ) * خبراً على معنى إخراجكم إذا متم ، ثم أخبر بالجملة عن * ( إِنَّكُمْ ) * انتهى . وهذا تخريج سهل لا تكلف فيه . قال : أو رفع * ( أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ ) * بفعل هو جزاء الشراط كأنه قيل * ( إِذَا مِتٌّ مْ ) * وقع إخراجكم انتهى . وهذا قول الأخفش إلا أنه حتم أن تكون الجملة الشرطية خبراً عن * ( إِنَّكُمْ ) * ونحن جوزنا في قول الأخفش هذا الوجه ، وأن يكون خبر * ( إِنَّكُمْ ) * ذلك الفعل المحذوف وهو العامل في * ( إِذَا ) * وفى قراءة عبد الله * ( أَيَعِدُكُمْ ) * * ( إِذَا مِتٌّ مْ ) * بإسقاط * ( إِنَّكُمْ ) * الأولى .
وقرأ الجمهور * ( هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ) * بفتح التاءين وهي لغة الحجاز . وقرأ هارون عن أبي عمرو بفتحهما منونتين ونسبها ابن عطية لخالد بن إلياس . وقرأ أبو حيوة بضمهما من غير تنوين ، وعنه عن الأحمر بالضم والتنوين وافقه أبو السماك في الأول وخالفه في الثاني . وقرأ أبو جعفر وشيبة بكسرهما من غير تنوين ، وروي هذا عن عيسى وهي في تميم وأسد وعنه أيضاً ، وعن خالد بن إلياس بكسرهما والتنوين . وقرأ خارجة بن مصعب عن أبي عمرو والأعرج وعيسى أيضاً بإسكانهما ، وهذه الكلمة تلاعبت بها العرب تلاعباً كبيراً بالحذف والإبدال والتنوين وغيره ، وقد ذكرنا في التكميل لشرح التسهيل ما ينيف على أربعين لغة ، فالذي اختاره أنها إذا نونت وكسرت أو كسرت ولم تنون لا تكون جمعاً لهيهات ، ومذهب سيبويه أنها جمع لهيهات وكان حقها عنده أن تكون * ( هَيْهَاتَ ) * إلاّ أن ضعفها لم يقتض إظهار الباء قال سيبويه ، هي مثل بيضات يعني في أنها جمع ، فظن بعض النحاة أنه أراد في اتفاق المفرد ، فقال واحد : هيهات هيهة ، وتحرير هذا كله مذكور في علم النحو ولا تستعمل هذه الكلمة غالباً إلاّ مكررة ، وجاءت غير مكررة في قول جرير :
وهيهات خل بالعقيق نواصله وقول رؤبة :
هيهات من متحرق هيهاؤه و * ( هَيْهَاتَ ) * اسم فعل لا يتعدى برفع الفاعل ظاهراً أو مضمراً ، وهنا جاء التركيب * ( هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ) * لم يظهر الفاعل فوجب ن يعتقد إضمار تقديره هو أي إخراجكم ، وجاءت اللام للبيان أي أعني لما توعدون كهي بعد بعد سقياً لك فتتعلق بمحذوف وبنيت المستبعد ما هو بعد اسم الفعل الدال على البعد كما جاءت في * ( هَيْتَ لَكَ ) * لبيان المهيت به . وقال الزجاج : البعد * ( لِمَا تُوعَدُونَ ) * أو بعد * ( لِمَا تُوعَدُونَ ) * وينبغي أن يجعل كلامه تفسير معنى لا تفسير إعراب لأنه لم تثبت مصدرية * ( هَيْهَاتَ ) * وقول الزمخشري : فمن نونه نزله منزلة المصدر ليس بواضح لأنهم قد نونوا أسماء الأفعال ، ولا نقول إنها إذا نونت تنزلت منزلة المصدر . وقال ابن عطية : طوراً تلي الفاعل دون لام تقول هيهات مجيء زيد أي بعد ، وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً وذلك عند اللام كهذه الآية التقدير بعد الوجود * ( لِمَا تُوعَدُونَ ) * انتهى . وهذا ليس بجيد لأن فيه حذف الفاعل ، وفيه أنه مصدر حذف وأبقى معموله ولا يجيز البصريون شيئاً من هذا . وقال ابن عطية أيضاً في قراءة من ضم ونون أنه اسم معرب مستقل ، وخبره * ( لِمَا تُوعَدُونَ ) * أي البعد لوعدكم كما تقول : النجح لسعيك . وقال صاحب اللوامح : فأما من قال * ( هَيْهَاتَ ) * فرفع ونون احتمل أن يكونا
تفسير البحر المحيط — صفحة 374
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٣٧٤