تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
ِ مَا هَاذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لاَنزَلَ ) * . لما ذكر أولاً بدء الإنسان وتطوّره في تلك الأطوار ، وما امتن به عليه مما جعله تعالى سبباً لحياتهم ، وإدراك مقاصدهم ، ذكر أمثالاً لكفار قريش من الأمم السابقة المنكرة لإرسال الله رسلاً المكذبة بما جاءتهم به الأنبياء عن الله ، فابتدأ قصة نوح لأنه أبو البشر الثاني كما ذكر أولاً آدم في قوله * ( مِن سُلَالَةٍ مّن طِينٍ ) * ولقصته أيضاً مناسبة بما قبلها إذ قبلها * ( وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ) * فذكر قصة من صنع الفلك أولاً وأنه كان سبب نجاة من آمن وهلك من لم يكن فيه الفلك من نعمة الله ، كل هذه القصص يحذر بها قريشاً نقم الله ويذكرهم نعمه . * ( مَا لَكُم مّنْ إِلَاهٍ * غَيْرِى ) * جملة مستأنفة منبهة على أن يفرد بالعبادة من كان منفرداً بالإلهية فكأنها تعليل لقوله * ( اعْبُدُواْ اللَّهَ ) * * ( أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) * أي أفلا تخافون عقوبته إذا عبدتم غيره * ( فَقَالَ الْمَلا ) * أي كبراء الناس وعظماؤهم ، وهم الذين هم أعصى الناس وأبعدهم لقبول الخير . * ( مَا هَاذَا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ ) * أي مساويكم في البشرية . فأتى تؤفكون له اختصاص بالرسالة . * ( يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ ) * أي يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله : * ( وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِى الاْرْضِ ) * * ( وَلَوْ شَاء اللَّهُ لاَنزَلَ مَلَائِكَةً ) * هذا يدل على أنهم كانوا مقرين بالملائكة وهذه شنشنة قريش ودأبها في استبعاد إرسال الله البشر ، والإشارة في هذا تحتمل أن تكون لنوح عليه السلام ، وأن تكون إلى ما كلمهم به من الأمر بعبادة الله ورفض أصنامهم ، وأن يكون إلى ما أتى به من أنه رسول الله وهو بشر ، وأعجب بضلال هؤلاء استبعدوا رسالة البشر واعتقدوا إلهية الحجر . وقولهم * ( مَّا سَمِعْنَا بِهَاذَا ) * الظاهر أنهم كانوا مباهتين وإلاّ فنبوّة إدريس وآدم لم تكن المدة بينها وبينهم متطاولة بحيث تنسى فدافعوا الحق بما أمكنهم دفاعه ، ولهذا قالوا * ( إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ ) * ومعلوم عندهم أنه ليس بمجنون * ( فَتَرَبَّصُواْ بِهِ ) * أي انتظروا حاله حتى يجلي أمره وعاقبة خبره . فدعا ربه تعالى بأن ينصره ويظفره بهم بسبب ما كذبوه . وقال الزمخشري : يدل ما كذبون كما تقول : هذا بذاك أي بدل ذاك ومكانه ، والمعنى أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم أو انصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب ، وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم * ( إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) * انتهى . وقرأ أبو جعفر وابن محيصن * ( قَالَ رَبّ ) * بضم الباء ، وتقدم توجيهه في قوله * ( قَالَ رَبّ احْكُم ) * بضم الباء وتقدم الكلام على أكثر تفسير ألفاظ هذه الآية في سورة هود ، ونهاه تعالى أن يخاطبه في قومه بدعاء نجاة أو غيره وبين علة النهي بأنه تعالى قد حكم عليهم بالإغراق ، وأمره تعالى بأن يحمده على نجاته وهلاكهم وكان الأمر له وحده وإن كان الشرط قد شمله ومن معه لأنه نبيهم وإمامهم وهم متبعوه في ذلك إذ هو قدوتهم . قال مع ما فيه من الإشعار بفضل النبوّة وإظهار كبرياء الربوبية وأن رتبة تلك المخاطبة لا يترقى إليها إلاّ ملك أو نبي انتهى . ثم أمره أن يدعوه بأنه ينزله * ( مُنزَلاً مُّبَارَكاً ) * قيل وقال ذلك عند الركوب في السفينة . وقيل : عند الخروج منها . وقرأ الجمهور * ( مُنزَلاً ) * بضم الميم وفتح الزاي فجاز أن يكون مصدراً ومكاناً أي إنزالاً أو موضع إنزال . وقرأ أبو بكر والمفضل وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبان : بفتح الميم وكسر الزاي أي مكان نزول * ( إِنَّ فِى ذَلِكَ ) * خطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أي إن في ما جرى على هذه أمّة نوح لدلائل وعبراً * ( وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ) * أي لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم أو لمختبرين بهذه الآيات عبادنا ليعتبروا كقوله * ( وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا ءايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ) * . * ( ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءاخَرِينَ * فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَاهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * وَقَالَ الْمَلاَ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الاْخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِى الْحَيواةِ الدُّنْيَا مَا هَاذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ ) * . ( سقط : مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ، أيعدكم أنكم إذا )