تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
وما أشبه ذلك . ( قلت ) : أوجبه أن المعنى وأي * ( أَجَلٍ مُّسَمًّى * عِندَهُ ) * تعظيماً لشأن الساعة فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم ؛ انتهى . وهذا لا يجوز لأنه إذا كان التقدير وأي * ( أَجَلٍ مُّسَمًّى * عِندَهُ ) * كانت أي صفة لموصوف محذوف تقديره وأجل أي * ( أَجَلٍ مُّسَمًّى * عِندَهُ ) * ولا يجوز حذف الصفة إذا كانت أياً ولا حذف موصوفها وإبقاؤها ، فلو قلت مررت بأي رجل تريد برجل أيّ رجل لم يجز ، * ( * وتمترون ) * معناه تشكون أو تجادلون جدال الشاكين ، والتماري المجادلة على مذهب الشك قاله بعض المفسرين . والكلام في * ( تَتَّقُونَ ثُمَّ ) * هنا كالكلام فيها في قوله * ( ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) * والذي يظهر لي أن قوله تعالى : * ( هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ ) * على جهة الخطاب ، هو التفات من الغائب الذي هو قوله * ( ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) * وإن كان الخلق وقضاء الأجل ليس مختصاً بالكفار إذ اشترك فيه المؤمن والكافر ، لكنه قصد به الكافر تنبيهاً له على أصل خلقه وقضاء الله تعالى عليه وقدرته ، وإنما قلت إنه من باب الالتفات لأن قوله * ( ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ) * لا يمكن أن يندرج في هذا الخطاب من اصطفاه الله بالنبوة والإيمان . * ( وَهُوَ اللَّهُ فِى * السَّمَاوَاتِ * وَفِى الاْرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ) * لما تقدم ما يدل على القدرة التامة والاختيار ، ذكر ما يدل على العلم التام فكان في التنبيه على هذه الأوصاف دلالة على كونه تعالى قادراً مختاراً عالماً بالكليات والجزئيات وإبطالاً لشبه منكر المعاد ، والظاهر أن * ( هُوَ ) * ضمير عائد على ما عادت عليه الضمائر قبله ، * ( وَهُوَ اللَّهُ ) * وهذا قول الجمهور قاله الكرماني . وقال أبو علي : * ( هُوَ ) * ضمير الشأن * ( وَاللَّهُ ) * مبتدأ خبره ما بعده ، والجملة مفسرة لضمير الشأن وإنما فر إلى هذا لأنه إذا لم يكن ضمير الشأن ، كان عائداً على الله تعالى فيصير التقدير الله * ( وَاللَّهُ ) * فينعقد مبتدأ وخبر من اسمين متحدين لفظاً ومعنى لا نسبة بينهما إسنادية ، وذلك لا يجوز فلذلك والله أعلم تأول . أبو علي الآية على أن الضمير ضمير الأمر * ( وَاللَّهُ ) * خبره يعلم في * ( السَّمَاوَاتِ * وَفِى الاْرْضِ ) * متعلق بيعلم والتقدير الله يعلم * ( فِي السَّمَاوَاتِ * وَفِى الاْرْضِ ) * * ( سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ) * ذهب الزجاج إلى أن قوله : * ( فِي السَّمَاوَاتِ ) * متعلق بما تضمنه اسم الله من المعاني ، كما يقال : أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب . قال ابن عطية : وهذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازاً لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى وإيضاحه أنه أراد أن يدل على خلقه وإيثار قدرته وإحاطته واستيلائه ، ونحو هذه الصفات فجمع هذه كلها في قوله * ( وَهُوَ اللَّهُ ) * أي الذي له هذه كلها * ( فِي السَّمَاوَاتِ * وَفِى الاْرْضِ ) * كأنه قال : وهو الخالق الرازق والمحيي المحيط في السماوات وفي الأرض كما تقول : زيد السلطان في الشام والعراق ، فلو قصدت ذات زيد لقلت محالاً وإذا كان مقصد قولك زيد السلطان الآمر الناهي الناقض المبرم الذي يعزل ويولي في الشام والعراق ، فأقمت السلطان مقام هذه كلها كان فصيحاً صحيحاً فكذلك في الآية أقام لفظة * ( اللَّهِ ) * مقام تلك الصفات المذكورة ؛ انتهى . وما ذكره الزجاج وأوضحه ابن عطية صحيح من حيث المعنى ، لكن صناعة النحو لا تساعد عليه لأنهما زعما أن * ( فِي السَّمَاوَاتِ ) * متعلق بلفظ * ( اللَّهِ ) * لما تضمنه من المعاني ولا تعمل تلك المعاني جميعها في اللفظ ، لأنه لو صرح بها جميعها لم تعمل فيه بل العمل من حيث اللفظ لواحد منها ، وإن كان * ( فِي السَّمَاوَاتِ ) * متعلقاً بها جميعها من حيث المعنى ، بل الأولى أن يعمل في المحرور ما تضمنه لفظ * ( اللَّهِ ) * من معنى الألوهية وإن كان لفظ * ( اللَّهِ ) * علماً لأن الظرف والمجرور قد يعمل فيهما العلم بما تضمنه من المعنى كما قال : أنا أبو المنهال بعض الأحيان . فبعض منصوب بما تضمنه أبو المنهال كأنه قال أنا المشهور بعض الأحيان . وقال الزمخشري نحواً من هذا قال : * ( فِي السَّمَاوَاتِ ) * متعلق بمعنى اسم الله ، كأنه قيل : وهو المعبود فيهما ومنه قوله * ( وَهُوَ الَّذِى فِى السَّماء إِلَاهٌ وَفِى الاْرْض