تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
وما ذكره من أن الحالين العامل فيهما واحد وهو ما في اللام من معنى الفعل ، كأنه قيل : أي شيء حصل لنا غير مؤمنين طامعين ليس بجيد ، لأن الأصح أنه لا يجوز أن يقضي العامل حالين لذي حال واحد لا بحرف عطف إلا أفعل التفضيل ، فالأصح أنه يجوز فيه ذلك ، وذوا الحال هنا واحد وهو الضمير المجرور بلام لنا ، ولأنه أيضاً تكون الواو دخلت على المضارع ، ولا تدخل واو الحال على المضارع إلا بتأويل ، فيحتاج أن يقدر : ونحن نطمع . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون * ( وَنَطْمَعُ ) * حالاً من * ( لاَ نُؤْمِنُ ) * على أنهم أنكروا على أنفسهم لأنهم لا يوحدون الله ، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين ، انتهى . وهذا ليس بجيد لأن فيه دخول واو الحال على المضارع ويحتاج إلى تأويل . وقال الزمخشري : وأن يكون معطوفاً على * ( لاَ نُؤْمِنُ ) * على معنى وما لنا لا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين أو على معنى : وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين ، انتهى . ويظهر لي وجه غير ما ذكروه وهو أن يكون معطوفاً على نؤمن على أنه منفي كنفي نؤمن ، التقدير : وما لنا لا نؤمن ولا نطمع فيكون في ذلك إنكار لانتفاء إيمانهم وانتفاء طمعهم مع قدرتهم على تحصيل الشيئين : الإيمان والطمع في الدخول مع الصالحين و * ( مَّعَ ) * على بابها من المعية ، وقيل : بمعنى في والصالحون أمة محمد صلى الله عليه وسلم ) ، قاله ابن عباس أو الرسول وأصحابه ، قاله ابن زيد ، أو المهاجرون الأولون ، قاله مقاتل . وقيل : التقدير أن يدخلنا الجنة * ( فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الاْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذالِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ) * ظاهره أن الإثابة بما ذكر مترتبة على مجرد القول ، ولا بد أن يقترن بالقول الاعتقاد ويبين أنه مقترن به أنه قال : * ( مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقّ ) * فوصفهم بالمعرفة ، فدل على اقتران القول بالعلم ، وقال : * ( ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ) * فإما أن يكون من وضع الظاهر موضع المضمر تنبيهاً على هذا الوصف بهم ، وأنهم أثيبوا لقيام هذا الوصف بهم ، وهو رتبة الإحسان ، وهي التي فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بقوله : * ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ولا إخلاص ولا علم أرفع من هذه الرتبة ، وإما أن يكون أريد به العموم فيكونون قد اندرجوا في المحسنين على أن هذه الإثابة لم تترتب على مجرد القول اللفظي ، ولذلك فسره الزمخشري بقوله بما قالوا بما تكلموا به من اعتقاد وإخلاص من قولك : هذا قول فلان أي اعتقاده وما يذهب إليه انتهى . وفسروا هذا القول بقولهم : * ( وما لنا لا نؤمن بالله ) * والذي يظهر أنه عنى به قولهم * ( يَقُولُونَ رَبَّنَا ءامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) * لأنه هو الصريح في إيمانهم ، وأما قوله : * ( لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ ) * فليس فيه تصريح بإيمانهم ، وإنما هو إنكار على انتفاء الإيمان منهم مع قيام موجبه ، فلا تترتب عليه الإثابة . وقرأ الحسن * ( فَأَتَاهُمُ ) * من الإيتاء بمعنى الإعطاء لا من الإثابة ، والإثابة أبلغ من الإعطاء ، لأنه يلزم أن يكون عن عمل بخلاف الإعطاء ، فإنه لا يلزم أن يكون عن عمل ولذلك جاء أخيراً * ( وَذالِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ) * نبه على أن تلك الإثابة هي جزاء ، والجزاء لا يكون إلا عن عمل * ( وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا أُوْلَائِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) * اندرج في * ( الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ ) * اليهود والنصارى وغيرهم لما ذكر ما للمؤمن ذكر ما أعد للكافر . * ( الْجَحِيمِ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ) *