زاهد ، والرهبان جمع راهب كفارس وفرسان والرهب والرهبة الخشية . وقيل الرهبان مفرد كسلطان وأنشدوا :
* لو عاينت رهبان دير في القلل
*
تحدر الرهبان تمشي وتزل
*
ويروي ونزل ، والقسيس تقدم شرحه في المفردات . وقال ابن زيد : هو رأس الرهبان . وقيل : العالم . وقيل : رافع الصوت بالقراءة . وقيل : الصديق ، وفي هذا التعليل دليل على جلاله العلم ، وأنه سبيل إلى الهداية ، وعلى حسن عاقبة الانقطاع ، وأنه طريق إلى النظر في العاقبة على التواضع ، وأنه سبب لتعظيم الموحد إذ يشهد من نفسه ومن كل محدث أنه مفتقر للموجد فيعظم عند مخترع الأشياء البارىء * ( وَإِذَا مَا * سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى * رَسُولِ اللَّهِ * تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقّ ) * هذا وصف برقة القلوب والتأثر بسماع القرآن ، والظاهر أن الضمير يعود على قسيسين ورهباناً فيكون عامّاً ، ويكون قد أخبر عنهم بما يقع من بعضهم كما جرى للنجاشي حيث تلا عليه جعفر سورة مريم إلى قوله * ( ذالِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) * وسورة طه إلى قوله * ( وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ) * فبكى وكذلك قومه الذين وفدوا على الرسول حين قرأ عليها * ( يس ) * فبكوا .
وقال ابن عطية ما معناه : صدر الآية عام في النصارى و * ( إِذَا * سَمِعُواْ ) * عام في من آمن من القادمين من أرض الحبشة ، إذ ليس كل النصارى يفعل ذلك ، بل هم الذين بعثهم النجاشي ليروا النبي صلى الله عليه وسلم ) ويسمعوا ما عنده ، فلما رأوه وتلا عليهم القرآن فاضت أعينهم من خشية الله تعالى ، انتهى .
وقال السديّ : لما رجعوا إلى النجاشي آمن وهاجر بمن معه فمات في الطريق ، فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ) والمسلمون واستغفروا له ، * ( وَتَرَى ) * من رؤية العين وأسند الفيض إلى الأعين وإن كان حقيقة للدموع كما قال :
ففاضت دموع العين مني صبابة
إقامة للمسبب مقام السبب ، لأن الفيض مسبب عن الامتلاء ، فالأصل ترى أعينهم تمتلئ من الدمع حتى تفيض ، لأن الفيض على جوانب الإناء ناشىء عن امتلائه ، قال الشاعر :
وقد يملأ الماء الإناء فيفعم
ويحتمل أنه أسند الفيض إلى الأعين على سبيل المبالغة في البكاء لما كانت تفاض فيها جعلت الفائضة بأنفسها على سبيل المجاز والمبالغة ، و * ( مِنْ ) * في * ( مِنَ الدَّمْعِ ) * قال أبو البقاء : فيه وجهان أحدهما : أن * ( مِنْ ) * لابتداء الغاية أي فيضها من كثرة الدموع والثاني : أن يكون حالاً ، والتقدير تفيض مملوءة من الدمع مما عرفوا من الحق ، ومعناها من أجل الذي عرفوه ، و * ( مِنَ الْحَقّ ) * حال من العائد المحذوف أو حال من ضمير الفاعل في عرفوا .
وقيل : * ( مِنْ ) * في * ( مِنَ الدَّمْعِ ) * بمعنى الباء أي بالدمع .
وقال الزمخشري : * ( مِنَ الدَّمْعِ ) * من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعاً .
( فإن قلت ) : أي فرق بين * ( مِنْ ) * * ( وَمِنْ ) * في قوله : * ( مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقّ ) * ( قلت ) : الأول لابتداء الغاية على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق ، وكان من أجله وسببه ، والثانية لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا ، ويحتمل معنى
تفسير البحر المحيط — صفحة 7
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٧