تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير البحر المحيط — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
البالغة عليكم وعلى ردّ مذهبكم ، * ( لَوْ شَاء * لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) * منكم ومن مخالفيكم فإن تعليقكم دينكم بمشيئة الله يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضاً بمشيئته فتوالوهم ولا تعادوهم وتوقروهم ولا تخالفوهم ، لأن المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وبين ما هم عليه ؛ انتهى . وهذا تفسير للآية على ما تقرر قبل في الآيات السابقة من مذهب الاعتزال والذي قدّره الزمخشري من شرط محذوف و * ( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) * في جوابه بعيد والأولى تقديره أنتم لا حجة لكم أي على إشراككم ولا على تحريمكم من قبل أنفسكم غير مستندين إلى وحي ولا على افترائكم على الله إنه حرم ما حرمتم ، * ( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) * في الاحتجاج الغالبة كل حجة حيث خلق عقولاً يفكر بها وأسماعاً يسمع بها وأبصاراً يبصر بها وكل هذه مدارك للتوحيد ولاتباع ما جاءت به الرسل عن الله . قال أبو نصر القشيري : * ( الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) * تبيين للتوحيد وإيداء الرسل بالمعجزات فألزم أمره كل مكلف ، فأما علمه وإرادته فغيب لا يطلع عليه العبد ويكفي في التكليف أن يكون العبد لو أراد أن يفعل ما أمر به مكنه ، وخلاف المعلوم مقدور فلا يلتحق بما يكون محالاً في نفسه ؛ انتهى ، وفي آخر كلامه نظر . قال الكرماني : * ( فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ ) * هداية إلجاء واضطرار ؛ انتهى ، وهذه نزعة اعتزالية . وقال أبو نصر بن القشيري : هذا تصريح بأن الكفر واقع بمشئة الله تعالى . وقال البغوي : هذا يدل إنه لم يشأ إيمان الكافر . * ( قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَاذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ) * بين تعالى كذبهم على الله وافتراءهم في تحريم ما حرموا منسوباً إلى الله تعالى فقال : * ( أُنزِلِ بِعِلْمِ ) * وقال : * ( أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء ) * ولما انتفى هذان الوجهان انتقل إلى وجه ليس بهذين الوجهين وهو أن يستدعي منهم من يشهد لهم بتحريم الله ما حرموا ، و * ( هَلُمَّ ) * هنا على لغة الحجاز وهي متعدية ولذلك انتصب المفعول به بعدها أي أحضروا شهداءكم وقربوهم وإضافة الشهداء إليهم تذل على أنهم غيرهم وهذا أمر على سبيل التعجيز ، أي لا يوجد من يشهد بذلك شهادة حق لأنها دعوى كاذبة ولهذا قال : * ( فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ) * أي فإن فرض أنهم يشهدون فلا تشهد معهم أي لا توافقهم لأنهم كذبة في شهادتهم كما أن الشهود لهم كذبة في دعواهم ، وأضاف الشهداء إليهم أي الذين أعددتموهم شهوداً لكم بما تشتهي أنفسكم ولذلك وصف ب * ( الَّذِينَ يَشْهَدُونَ ) * أي هم مؤمنون بالشهادة لهم وبنصرة دعاواهم الكاذبة ، ولو قيل : * ( هَلُمَّ ) * شهداء بالتنكير لفات المعنى الذي اقتضته الإضافة والوصف بالموصوف إذا كان المعنى هلم أناساً يشهدون بتحريم ذلك فكان الظاهر طلب شهداء بالحق وذلك ينافي معنى الآية . وقال الحسن : أحضروا شهداءكم من أنفسكم ، قال ولا تجدون ولو حضروا لم تقبل شهداتهم لأنها كاذبة . وقال ابن عطية : فإن افترى أحد وزوّر شهادة أو خبر عن نبوة فتجنب أنت ذلك ولا تشهد معهم ، وفي قوله : * ( فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ) * قوة وصف شهادتهم بنهاية الزور . وقال أبو نصر القشيري : فإن شهد بعضهم لبعض فلا يصدق إذ الشهادة من كتاب أو على لسان نبي وليس معهم شيء من ذلك . قال الزمخشري : أمرهم باستحضارهم وهم شهداء بالباطل ليلزمهم الحجة ويلقمهم الحجر ويظهر للمشهود لهم بانقطاع الشهداء أنهم ليسوا على شيء لتساوي أقدام الشاهدين ، والمشهود لهم في أنهم يرجعون إلى ما يصح التمسك به وقوله : * ( فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ ) * فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم ، لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم فكان واحداً منهم ؛ انتهى ، وهو تكثير . * ( وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ ) * الظاهر في العطف أنه يدل على مغايرة الذوات و * ( الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا ) * يعم جميع من كذب الرسول وإن كان مقراباً بالآخرة كأهل الكتاب . * ( وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ ) * قسم من المكذبين بالآيات وهم عبدة الأوثان والجاعلون لربهم عديلاً وهو المثل عدلوا به الأصنام في العبادة والإلهية ، ويحتمل أن يكون العطف
تفسير البحر المحيط — صفحة 249 | أبي حيان الأندلسي / الشيخ عادل أحمد عبد الموجود - الشيخ علي محمد معوض / زكريا عبد المجيد النوقي و أحمد النجولي الجمل