تبين قبح فعلهم أي ثم بعد معرفتكم بهذا كله وتحققه أنتم تشركون ؛ انتهى . وقيل : معنى * ( يُشْرِكُونَ ) * تعودون إلى ما كنتم عليه من الإشراك وعبادة الأصنام ولا يخفى ما في هذه الجملة الإسمية من التقبيح عليهم إذ ووجهوا بقوله : * ( ثُمَّ أَنتُمْ ) * كقوله : * ( ثُمَّ أَنتُمْ ) * هؤلاء بعد قوله * ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ ) * وإذا كان الخبر * ( تُشْرِكُونَ ) * بصيغة المضارع المشعر بالاستمرار والتجدد في المستقبل كما كانوا عليه فيما مضى .
* ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) * هذا إخبار يتضمن الوعيد ، والأظهر من نسق الآيات أنه خطاب للكفار وهو مذهب الطبري . وقال أبي وأبو العالية وجماعة : هي خطاب للمؤمنين . قال أبي : هنّ أربع : عذاب قبل يوم القيامة مضت اثنتان قبل وفاة الرسول بخمس وعشرين سنة لبسوا شيعاً وأذيق بعضهم بأس بعض ، وثنتان واقعتان لا محالة الخسف والرجم . وقال الحسن : بعضها للكفار بعث العذاب من فوق ومن تحت وسائرها للمؤمنين ، انتهى . وحين نزلت استعاذ الرسول صلى الله عليه وسلم ) وقال في الثالثة : ( هذه أهون أو هذه أيسر ) ؛ واحتج بهذا من قال هي للمؤمنين . وقال الطبري : لا يمتنع أن يكون عليه لسلام تعوذ لأمته مما وعد به الكفار وهون الثالثة لأنها في المعنى هي التي دعا فيها فمنع كما في حديث الموطأ وغيره . والظاهر * ( مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) * الحقيقة كالصواعق وكما أمطر على قوم لوط وأصحاب الفيل الحجارة وأرسل على قوم نوح الطوفان ، كقوله : * ( فَفَتَحْنَا أَبْوابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ ) * وكالزلازل ونبع الماء المهلك وكما خسف بقارون . وقال السدي عن أبي مالك وابن جبير : الرجم والخسف . وقال ابن عباس : * ( مّن فَوْقِكُمْ ) * ولاة الجور و * ( مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) * سفلة السوء وخدمته . وقيل : حبس المطر والنبات . وقيل : * ( مّن فَوْقِكُمْ ) * خذلان السمع والبصر والآذان واللسان و * ( مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) * خذلان الفرح والرجل إلى المعاصي ؛ انتهى ، وهذا والذي قبله مجاز بعيد .
* ( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ) * أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى كلّ فرقة منكم مشايعة لإمام ومعنى خلطهم انشاب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال كقول الشاعر :
* وكتيبة لبستها بكتيبة
*
حتى إذا التبست نفضت لها يدي فتركتهم تقص الرماح ظهورهمما بين منعفر وآخر مسند
*
قال ابن عباس ومجاهد : تثبت فيكم الأهواء المختلفة فتصيرون فرقاً . وقيل : المعنى يقوي عدوكم حتى يخالطوكم . وقرأ أبو عبد الله المدني * ( يَلْبِسَكُمْ ) * بضمّ الياء من اللبس استعارة من اللباس فعلى فتح الياء يكون شيعاً حالاً . وقيل : مصدر والعامل فيه * ( يَلْبِسَكُمْ ) * من غير لفظه ؛ انتهى . ويحتاج في كونه مصدراً إلى نقل من اللغة وعلى ضم الياء يحتمل أن يكون التقدير أو يلبسكم الفتنة شيعاً ويكون شيعاً حالاً ، وحذف المفعول الثاني ويحتمل أن يكون المفعول الثاني شيعاً كان الناس يلبس بعضهم بعضاً كما قال الشاعر
تفسير البحر المحيط — صفحة 155
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص١٥٥