تحية بينهم ضرب وجيع
أي : القائم لهم مقام الخبر السار هو العذاب الأليم وقيل : هو على معنى تأثر البشرة من ذلك ، فلم يؤخذ فيه قيد السرور ، بل لوحظ معنى الاشتقاق .
* ( أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ ) * . تقدم تفسير هذه الجملة عند قوله ومن * ( يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ) * فأغنى عن إعادته .
وقرأ ابن عباس ، وأبو السمال : حبطت ، بفتح الباء وهي لغة .
* ( وَمَا لَهُم مّن نَّاصِرِينَ ) * مجيء الجمع هنا أحسن من مجيء الإفراد ، لأنه رأس آية ، ولأنه بإزاء من للمؤمنين من الشفعاء الذين هم الملائكة والأنبياء وصالحو المؤمنين ، أي : ليس لهم كأمثال هؤلاء ، والمعنى : بانتفاء الناصرين انتفاء ما يترتب على النصر من المنافع والفوائد ، وإذا انتفت من جمع فانتفاؤها من واحد أَولى ، وإذا كان جمع لا ينصر فأحرى أن لا ينصر واحد ، ولما تقدم ذكر معصيتهم بثلاثة أوصاف ناسب أن يكون جزاؤهم بثلاثة ، ليقابل كل وصف بمناسبة ، ولما كان الكفر بآيات الله أعظم ، كان التبشير بالعذاب الأليم أعظم ، وقابل قتل الأنبياء بحبوط العمل في الدنيا والآخرة ، ففي الدنيا بالقتل والسبي وأخذ المال والاسترقاق ، وفي الآخرة بالعقاب الدائم ، وقابل قتل الآمرين بالقسط ، بانتفاء الناصرين عنهم إذا حل بهم العذاب ، كما لم يكن للآمرين بالقسط من ينصرهم حين حل بهم قتل المعتدين ، كذلك المعتدون لا ناصر لهم إذا حل بهم العذاب .
وفي قوله : أولئك ، إشارة إلى من تقدم موصوفاً بتلك الأوصاف الذميمة ، وأخبر عنه : بالذين ، إذ هو أبلغ من الخبر بالفعل ، ولأن فيه نوع انحصار ، ولأن جعل الفعل صلة يدل على كونها معلومة للسامع ، معهودة عنده ، فإذا أخبرت بالموصول عن اسم استفاد المخاطب أن ذلك الفعل المعهود المعلوم عنده المعهود هو منسوب للمخبر عنه بالموصول ، بخلاف الإخبار بالفعل ، فإنك تخبر المخاطب بصدوده عن من أخبرت به عنه ، ولا يكون ذلك الفعل معلوماً عنده ، فإن كان معلوماً عنده جعلته صلة ، وأخبرت بالموصول عن الاسم .
قيل وجمعت هذه الآيات ضروباً من الفصاحة والبلاغة . أحدهما : التقديم والتأخير في : * ( إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ ) * قال ابن عباس التقدير : شهد الله أن الدين عند الله الاسلام ، أنه لا إله إلا هو ، ولذلك قرأ إنه ، بالكسر : وأن الدين ، بالفتح .
وأطلق اسم السبب على المسبب في قوله * ( مِنْ * بَعْدَمَا * جَاءهُمُ الْعِلْمُ ) * عبر بالعلم عن التوراة والإنجيل أو النبي صلى الله عليه وسلم ) ، على الخلاف الذي سبق .
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في : * ( حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ) * وأصحاب النار
تفسير البحر المحيط — صفحة 431
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤٣١