* ( وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ) * هم : اليهود والنصارى باتفاق * ( وَالاْمّيّينَ ) * هم مشركو العرب ، ودخل في ذلك كل من لا كتاب له * ( ءأَسْلَمْتُمْ ) * تقدير في ضمنه الأمر . وقال الزجاج : تهدّد . قال ابن عطية : وهذا أحسن ، لأن المعنى : أأسلمتم له أم لا ؟ وقال الزمخشري : يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام ويقتضي حصوله لا محالة ، فهل أسلمتم أم أنتم على كفركم ؟ وهذا كقولكم لمن لخصت له المسألة ، ولم تبقِ من طرق البيان والكشف طريقاً إلاَّ سلكته ، هل فهمتها لا أمّ لك ؟ ومنه قوله عز وعلا : * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ) * بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر ، وفي هذا الاستفهام استقصار وتغيير بالمعاندة وقلة الإنصاف ، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة ولم يتوقف إذعانه للحق ، وللمعاند بعد تجلي الحجة ما يضرب أسداداً بينه وبين الإذعان ، وكذلك في : هل فهمتها ؟ توبيخ بالبلادة وكله القريحة ، وفي * ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ) * بالتقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه . انتهى كلامه . وهو حسن ، وأكثره من باب الخطابة .
* ( فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ ) * أي إن دخلوا في الإسلام فقد حصلت لهم الهداية ، وعبر بصيغة الماضي المصحوب بقد الدالة على التحقيق مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى ، ومن الظلمة إلى النور . انتهى .
* ( وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ) * أي : هم لا يضرونك بتوليهم ، وما عليك أنت إلاَّ تنبيههم بما تبلغه إليهم من طلب إسلامهم وانتظامهم في عبادة الله وحده ، وقيل : إنها آية مواعدة منسوخة بآية السيف ، ولا نحتاج إلى معرفة تاريخ النزول ، وإذا نظرت إلى سبب نزول هذه الآيات ، وهو وفود وفد نجران ، فيكون المعنى : فإنما عليك البلاغ بقتالٍ وغيره .
* ( وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) * . وفيه وعيد وتهديد شديد لمن تولى عن الإسلام ، ووعد بالخير لمن أسلم ، إذ معناه : إن الله مطلع على أحوال عبيده فيجازيهم بما تقتضي حكمته .
* ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيّينَ ) * الآية هي في اليهود والنصارى ، قاله محمد بن جعفر بن الزبير وغيره ، وصف من تولى عن الإسلام وكفر بثلاث صفات :
إحداهما : كفره بآيات الله وهم مقرون بالصانع ، جعل كفرهم ببعض مثل كفرهم بالجميع ، أو يجعل : بآيات الله ، مخصوصاً بما يسبق إليه الفهم من القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم ) .
الثانية : قتلهم الأنبياء ، وقد تقدّمت كيفية قتلهم في البقرة في قوله * ( وَيَقْتُلُونَ النَّبِيّينَ بِغَيْرِ الْحَقّ ) * والألف واللام في : النبيين ، للعهد .
والثالثة : قتل من أمر بالعدل .
فهذه ثلاثة أوصاف بدىء فيها بالأعظم فالأعظم ، وبما هو سبب للآخر : فأولها : الكفر بآيات الله ، وهو أقوى الأسباب في عدم المبالاة بما يقع من الأفعال القبيحة ، وثانيها : قتل من أظهر آيات الله واستدل بها . والثالث : قتل أتباعهم ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر .
وهذه الآية جاءت وعيداً لمن كان في زمانه صلى الله عليه وسلم ) ، ولذلك جاءت الصلة بالمستقبل ، ودخلت الفاء في خبر : أن ، لأن الموصول ضمن معنى اسم الشرط ، ولما كانوا على طريقة أسلافهم في ذلك ، نسب إليهم ذلك ، ولأنهم أرادوا قتله صلى الله عليه وسلم ) ، فقتل أتباعه
تفسير البحر المحيط — صفحة 429
مساهمون: أبي حيان الأندلسي
ص٤٢٩