حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لا يقبل الله تعالى صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور ) . الغلول : بضم الغين الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة ، يقال : غل في المغنم يغل من باب ضرب يضرب غلولاً ، فهو غال ، كل من خان في شيء خفية فقد غل ، وسميت غلولاً لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة مجعول فيها غل وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه ، ويقال لها : جامعة ، أيضا . وذكر ابن سيده أنه يقال : غل يغل غلولاً وأغل : خان ، وخص بعضهم به الخون في الفيء وأغله خونه ، والإغلال السرقة . قال ابن السكيت : لم يسمع في المغنم إلاَّ غل غلولاً . وفي ( الصحاح ) : يقال من الخيانة : أغل يغل ، ومن الحقد غل يغل ومن الغلول غل يغل بالضم . قوله : ( ولا صلاة ) نكرة في سياق النفي فتعم وتشمل سائر الصلوات من الفرض والنفل والطهور ، بضم الطاء ، والمراد به الفعل ، وهو قول الأكثرين . وقد قيل : يجوز فتحها وهو بعمومه يتناول الماء والتراب . قوله : ( ولا يقبل إلاَّ مِن كسب طيب ) هذا في رواية المستملي وحده ، وهو قطعة من حديث أبي هريرة الآتي بعد هذا . قوله : ( لقوله ) أي : لقول الله تعالى . قال الكرماني : فإن قلت : ما وجه تعليله بقوله تعالى : * ( ومغفرة خير من صدقة ) * ( البقرة : 362 ) . قلت : تلك الصدقة يتبعها الأذى يوم القيامة بسبب الخيانة ، ونقل عن بعضهم وجه مطابقة الترجمة للآية : أن الأذى بعد الصدقة يبطلها ، فكيف بالأذى المقارن لها ؟ وذلك أن الغال متصدق بمال مغصوب ، والغاصب مؤذ لصاحب المال عاص بتصرفه فيه ، فكان أولى بالإبطال . وقال ابن المنير . فإن قلت : ما وجه الجمع بين الترجمة والآية ؟ وهلا ذكر قوله تعالى : * ( انفقوا من طيبات ما كسبتم ) * ( البقرة : 762 ) . قال : قلت : جرى على عادته في إيثار الاستنباط الخفي والاتكال في الاستدلال الجلي على سبق الأفهام له ، ووجه الاستنباط له يحتمل أن الآية لها إثبات الصدقةُ غير أن الصدقة لما تبعها سيئة الأذى بطلت ، فالغلول غصب إذا فيقارن الصدقة فتبطل بطريق الأولى . قوله : * ( قول معروف ) * ( البقرة : 762 ) . أي : كلام حسن ورد جميل على السائل ، وقيل : دعاء صالح يدعو له . وارتفاع : قول ، على الابتداء وإن كان نكرة لأنه يخصص بالصفة . وقوله : * ( خير ) * ( البقرة : 362 ) . خبره وقوله : * ( ومغفرة ) * ( البقرة : 362 ) . أي : ستر وتجاوز من السائل إذا استطال عليه : * ( خير من صدقة يتبعها أذى ) * ( البقرة : 362 ) . بمنة . وقيل : مغفرة ، أي : عفو عن ظلم قولي أو فعلي خير من صدقة يتبعها أذى . وقال الضحاك : يقول : أن تمسك مالك خير من أن تنفقه ثم تتبعه منا وأذى . ويقال : لما علم الله أن الفقير إذا رد بغير نوال يشق عليه ، وربما يدعو عليه ببسط اللسان وإظهار الشكوى حث على الصفح والعفو . ثم قال : * ( والله غني ) * ( البقرة : 362 ) . عن صدقة العباد ، ولو شاء لأغنى جميع الخلق ، ولكنه أعطى الأغنياء لينظر كيف شكرهم ، وابتلى الفقراء لينظر كيف صبرهم : * ( حليم ) * ( البقرة : 362 ) . لا يعجل بالعقوبة . وقال الزمخشري : غني لا حاجة به إلى منفق يمن ويؤذي ، حليم عن معالجته بالعقوبة ، وهذا سخط منه ووعيد له . والله أعلم .
8
( ( بابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ) )
أي : هذا باب في بيان أن الصدقة لا تقبل إلا من كسب طيب ، ويجوز إضافة لفظ : باب ، إلى ما بعده ، ويجوز قطعه عن الإضافة ، وعلى تقدير القطع يكون التقدير : هذا باب يذكر فيه الصدقة من كسب طيب ، يعني : تقبل الصدقة الحاصلة من كسب طيب ، أو التقدير : الصدقة إنما تقبل من كسب طيب . فلفظ : الصدقة ، مرفوع بالابتداء . وفي الوجه الأول ، مجرور بالإضافة ، ولما ذكر في الباب الأول في الترجمة قوله : ولا تقبل إلاَّ من كسب طيب ، تعرض إلى بيان الكسب الطيب بهذه الترجمة التي لم تقع في الكتاب إلاَّ في رواية المستملي وابن شبويه والكشميهني .
لِقَوْلِهِ * ( ويُرْبى الصَّدَقَاتِ والله لاَ يُحِبُّ كلَّ كَفَّارٍ أثيمٍ * إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأقَامُوا الصَّلاَةَ واتُوا الزَّكَاةَ لَهُمْ أجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون ) * ( البقرة : 672 و 772 ) .
علل كون الصدقة من كسب طيب ، بقوله تعالى : * ( ويربي الصدقات ) * ( البقرة : 672 و 772 ) . أي : يزيد فيها ويبارك في الدنيا ويضاعف الثواب في الآخرة ، والكسب الطيب هو من الحلال قال تعالى : * ( انفقوا من طيبات ما كسبتم ) * ( البقرة : 762 ) . * ( وكلوا من طيبات ما رزقناكم ) * ( البقرة : 75 و 271 ، طه : 18 ) .
عمدة القاري — صفحة 268
مساهمون: العيني
ص٢٦٨