في ( الموطأ ) ولغيره شجاعا كأنه مفعول ثان . وقال ابن الأثير في ( شرح المسند ) : وفي رواية الشافعي : شجاع ، بالرفع لأنه الذي أقيم مقام الفاعل الأول : لمثل ، لأنه أخلاه من الضمير وجعل له مفعولاً واحدا ، ولا يكون الشجاع كناية عن المال الذي لم تؤد زكاته وإنما هو حقيقة حية يخلق ماله حية تفعل به ذلك ، يعضد ذلك أنه لم يذكر في روايته ماله بخلاف ما في رواية البخاري قلت : وللبخاري أيضا روايتان في رواية لفظة : ماله ، مذكورة ، وفي رواية غير مذكورة ، والشجاع : الحية ، وسمى أقرع لأنه يقرع السم ويجمعه في رأسه حتى تتمعط منه فروة رأسه ، وفي ( جامع ) القزاز : ليس على رؤوس الحيات شعر ، ولكن لعله يذهب جلد رأسه . وفي ( الموعب ) : الشجاع ضرب من الحيات ، والجمع : الشجعان ، وثلاثة أشجعة . وفي ( التهذيب ) : هو الحية الذكر ، وقال اللحياني : يقال للحية شجاع وشجاع وشجعان ويقال للحية أيضا أشجع وقال شمر في ( كتاب الحيات ) : الشجاع ضرب من الحيات لطيف دقيق ، وهو كما زعموا أجرؤها . وفي ( المحكم ) شجعان بالكسر أكثر . وفي ( البارع ) لأبي علي القالي : شجعة ، بفتح الشين والجيم : إذا كان طويلاً ملتويا . وفي ( الاستذكار ) : وقيل : الشجاع الثعبان ، وقيل : الحية ، وقيل : هو الذي يواثب الفارس والراجل ويقوم على ذنبه ، وربما بلغ وجه الفارس ويكون في الصحارى ، والأقرع الذي في رأسه بياض . وقيل : كلما كثر سمه ابيض رأسه ، وقال ابن خالويه : ليس في كلام العرب اسم الحيات وصفاتها إلاَّ ما كتبته في هذا الباب ، فذكر أربعة وثمانين اسما . قوله : ( زبيبتان ) ، بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة الأولى : الزبد في الشدقين إذا غضب ، يقال : تكلم فلان حتى زبد شدقاه ، أي : خرج الزبد عليهما . وقال أبو المعاني في ( المنتهى ) : الزبيبتان الزبدتان في الشدقين ، ومنه الحية ذو الزبيبتين وهما النكتتان السوداوان فوق عينيه ، وقيل : هما نقطتان تكتنفان فاها . وقال الداودي : هما نابان يخرجان من فيها ، وأنكر بعضهم هذا ، وقال : هذا لا يوجد . ويقال : الحية ذو الزبيبتين أخبث ما يكون من الحيات . وقال أبو عمر : هما علامات الحية الذكر المؤذي . وقال ابن حبيب عن مطرف : له زبيبتان في خلقه بمنزلة زنمتى العنز . وفي ( المسالك ) لابن العربي : سئل مالك عن الزبيبتين ؟ فقال : أراهما شنشنتين تكونان على رأسه مثل القرنين . قوله : ( يطوقه ) ، بفتح الواو : يجعل طوقا في عنقه . وفي رواية : ( وحتى يطوقه ) ، وفي ( التلويح ) : قال أبو السعادات : يجوز أن تكون الواو أي : مفتوحة يعني : حتى يطوقه الله تعالى في عنقه ، كأنه قيل : يجعل له طوقا . وقال الطيبي : وهو تشبيه لذكر المشبه والمشبه به ، كأنه قيل : يجعله كالطوق في عنقه . قلت : الضمير الذي فيه مفعوله الأول والضمير البارز مفعوله الثاني وهو يرجع إلى : من ، في قوله : ( من آتاه الله مالاً ) ، والضمير المستتر يرجع إلى الشجاع . وفي ( التلويح ) : الهاء ، عائدة إلى الطوق لا إلى المطوق وفيه ما فيه . قوله : ( بلهزمتيه ) ، بكسر اللام وسكون الهاء وكسر الزاي تثنية لهزمة ، قال ابن سيده : اللهزمتان : مضيغتان في أصل الحنك ، وقيل : هما مضيغتان في منحنى اللحيين أسفل من الأذنين ، وهما معظم اللحيين ، وقيل : هما تحت الأذنين من أعلى اللحيين والخدين ، وقيل : هما مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن من اللحي ، زاد صاحب ( الموعب ) : لهزمتان ، يقال : شنشنان ، ويقال ، للفرس الموسوم على ذلك المكان : ملهوز ، وفي ( الجامع ) : هي لحم الخدين اللذين يتحرك إذا أكل الإنسان ، والجمع : اللهازم ، وفي ( الجمهرة ) : لهزمه إذا ضرب لهزمته ، وقال ابن العربي : هما الماضغتان اللتان بين الأذن والفم . قوله : ( يعني شدقيه ) ، بكسر الشين هذا التفسير في الحديث أي جانبي الفم . قوله : ( ثم يقول ) الشجاع المصور من المال : ( أنا مالك أنا كنزك ) يخاطب به صاحب المال لمزيد الغصة والهم ، لأنه شر أتاه من حيث كان يرجو فيه خيرا ، وفيه نوع تهكم . قوله : ( ثم تلا ) أي : قرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : * ( ولا يحسبن الذين يبخلون ) * ( آل عمران : 081 ) . الآية ، وتلاوته صلى الله عليه وسلم هذه تدل على أنها نزلت في مانع الزكاة ، وقيل : إن المراد بها اليهود لأنهم بخلوا ، والمعنى سيطوقون الإثم ، وتأول مسروق أنها نزلت فيمن له مال فيمنع قرابته صلته فيطوق حية كما سلف ، وأكثر العلماء على أن ذلك في الزكاة المفروضة ، وقيل : في الأحبار الذين كتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم .
ذكر ما يستفاد منه : فيه : دلالة على فرضية الزكاة لأن الوعيد الشديد يدل على ذلك . وفيه : ما يدل على قلب الأعيان وذلك في قدرة الله تعالى هين لا ينكر . وفيه : أن لفظ : مالاً ، بعمومه يتناول الذهب والفضة وغيرهما من الأموال الزكوية ، وقال المهلب : لم ينقل عن الشارع زكاة الذهب من طريق الخبر ، كما نقل عنه زكاة الفضة . قلت : صح من حديث أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات مطولاً ،
عمدة القاري — صفحة 253
مساهمون: العيني
ص٢٥٣