تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
المذكور الذي رواه أبو يعلى يدل على أن المراد الثناء المطابق بدليل قوله : ( قد قبلت علمكم ) ، والعلم لا يخالف الواقع . قلت : المراد بالعلم : الشهادة ، كما في الحديث المذكور الذي رواه أبو يعلى عن ابن عمر ، وكذلك في ( مسند أحمد ) في هذا الحديث عن أبي هريرة : ( قد قبلت شهادتهم ) ، ومعنى قوله : ( غفرت له ما لا يعلمون ) ، أي : من الذنوب التي لم يطلعوا عليها . فإن قلت : عل تشترط في هذه الشهادة العدالة كسائر الشهادات ؟ أم تكفي في ذلك شهادة المسلمين وإن لم يكونوا بوصف العدالة المشترطة في الشهادة ؟ قلت : يدل على الأول حديث كعب بن عجرة الذي ذكرناه آنفا ، لأنه قال فيه : ( فقام رجلان ذوا عدل ) ، وعلى الثاني يدل ظاهر حديث الباب ، ومع هذا الأصل في الشهادة العدالة . ذكر ما يستفاد منه : فيه : فضيلة هذه الأمة . وفيه : إعمال الحكم بالظاهر . وفيه : جواز ذكر المرء بما فيه من خير أو شر للحاجة ، ولا يكون ذلك من الغيبة ، وذكر الغزالي والنووي إباحة العلماء الغيبة في ستة مواضع ، فهل تباح في حق الميت أيضا ؟ وإن ما جاز غيبة الحي به جازت غيبة الميت به ، أم يختص جواز الغيبة في هذه المواضع المستثناة بالإحياء ، ينبغي أن ينظر في السبب المبيح للغيبة إن كان قد انقطع بالموت كالمصاهرة والمعاملة ، فهذا لا يذكر في حق الميت ، لأنه قد انقطع ذلك بموته ، وإن لم ينقطع ذلك بموته كجرح الرواة وكونه يؤخذ عنه اعتقاد أو نحوه فلا بأس بذكره به ليحذر ويتجنب . وفيه : جواز الشهادة قبل الاستشهاد . وفيه : اعتبار مفهوم الموافقة لأنه سأل عن الثلاثة ولم يسأل عما فوق الأربعة كالخمسة مثلاً . وفيه : أم مفهوم العدد ليس دليلاً قطعيا ، بل هو في مقام الاحتمال . 68 ( ( بابُ ما جاءَ في عَذَابِ القَبْرِ وقولهُ تعالى : * ( وَلَوْ تَراي إذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلاَئِكَةُ باسِطُوا أيْدِيهِم أخْرِجُوا أنْفُسَكُمْ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ) * ( الأنعام : 39 ) . الهُونُ هُوَ الهَوَانُ والهَوْنُ الرِّفْقُ . وقولُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ * ( سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيم 1764 ; ) * وَقولُهُ تعالى : * ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّا وَعَشِيّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذَابِ ) * ) ) أي : هذا باب في بيان ما جاء من الأخبار في حقية عذاب القبر ، وأشار بهذه الترجمة إلى مجرد وجود عذاب القبر دون التعرض أنه يقع على الروح وحده أو عليه وعلى البدن . وفي هذا الباب خلاف مشهور بين أهل السنة والمعتزلة ، وقد بسطنا الكلام فيه في : باب الميت يسمع خفق النعال ، ثم إن البخاري ذكر هذه الآيات الكريمة الثلاث تنبيها على ثبوت ذكر عذاب القبر في القرآن ، وردا على من ادعى عدم ذكره في القرآن ، وأن ذكره ورد في أخبار الآحاد الآية الأولى هو قوله تعالى في سورة الأنعام : * ( ولو ترى إذ الظالمون ) * ( الأنعام : 39 ) . أشار إليها بقوله ، و : قوله تعالى ، بالجر عطفا على قوله : عذاب القبر . قوله : * ( ولو ترى ) * ( الأنعام : 39 ) . خطاب للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، وجواب : لو ، محذوف أي : لرأيت أمرا عجيبا عظيما وكلمة إذ ظرف مضاف إلى جملة اسمية ، وهي قوله : * ( الظالمون في غمرات الموت ) * ( الأنعام : 39 ) . وقال الزمخشري : يريد الظالمين الذين ذكرهم من اليهود والمتنبئة فتكون اللام للعهد ، ويجوز أن تكون للجنس فيدخل فيه هؤلاء لاشتماله ، وقال غيره : المراد من الظالمين هؤلاء قوم كانوا أسلموا بمكة أخرجهم الكفار إلى قتال بدر ، فلما أبصروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا عن الإيمان ، وقيل : هم الذين قالوا : * ( ما أنزل الله على بشر من شيء ) * ( الأنعام : 19 ) . قوله : * ( في غمرات الموت ) * ( الأنعام : 39 ) . أي : في شدائده وسكراته وكرباته وهو جمع غمرة ، وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة . قوله : * ( باسطوا أيديهم ) * ( الأنعام : 39 ) . قال الزمخشري : يبسطون إليهم ، يقول : هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم ، وهذه عبارة عن العنف في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير تنفيس ، وإمهال . وقال اضحاك وأبو صالح : باسطوا أيديهم بالعذاب ، وروى الطبراني وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، في قوله تعالى : * ( ولو ترى إذ الظالمون ) * ( الأنعام : 39 ) . الآية ، قال : هذا عند الموت ، والبسط : الضرب ، يضربون وجوههم وأدبارهم . فإن قلت : الترجمة في عذاب القبر ، وهذا قبل الدفن ؟ قلت : هذا من جملة العذاب