تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
هو العلة الموجبة في حكم الربوبية ، وظاهر هو التتمة اللازمة في حق العبودية ، وإنما هو أمارة مخيلة في مطالقة علم العواقب غير مفيدة حقيقة ، وبيَّن لهم أن كلاً ميسر لما خلق له ، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل ، ولذلك مثل بقوله تعالى : * ( فأما من أعطى واتقى ) * ( اليل : 5 ) . الآية ، ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب ، والأجل المضروب مع التعالج بالطب ، فإنك تجد الباطن منهما على موجبه ، والظاهر سببا مخيلاً ، وقد اصطلحوا على أن الظاهر منهما لا يترك للباطن . ذكر ما يستفاد منه : قال ابن بطال : هذا الحديث أصل لأهل السنة في أن السعادة والشقاوة بخلق الله تعالى ، بخلاف قول القدرية الذين يقولون : إن الشر ليس بخلق الله . وقال النووي : فيه إثبات للقدر ، وإن جمع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره ، لا يُسأل عما يفعل ، وقيل : إن سر القدر ينكشف للخلائق إذا دخلوا الجنة ، ولا ينكشف لهم قبل دخولها ، وفيه رد على أهل الجبر ، لأن المجبر لا يأتي الشيء إلاَّ وهو يكرهه ، والتيسير ضد الجبر ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تجاوز عن أمتي ما استكرهوا عليه ) . قال : والتيسير هو أن يأتي الإنسان الشيء وهو يحبه . واختلف أهل يعلم في الدنيا الشقي من السعيد ؟ فقال قوم : نعم ، محتجين بهذه الآية الكريمة ، والحديث لأن كل عمل أمارة على جزائه . وقال قوم : لا ، والحق في ذلك أنه يدرك ظنا لا جزما . وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية : من اشتهر له لسان صدق في الناس من صالحي هذه الأمة هل يقطع له بالجنة ؟ فيه قولان للعلماء رحمهم الله . وفيه : جواز القعود عند القبور والتحدث عندها بالعلم والمواعظ . وفيه : نكته صلى الله عليه وسلم بالمخصرة في الأرض . أصل تحريك الإصبع في التشهد . قاله المهلب . فإن قلت : ما معنى النكت بالمخصرة ؟ قلت : هو إشارة إلى إحضار القلب للمعاني . وفيه : نكس الرأس عند الخشوع والتفكر في أمر الآخرة . وفيه : إظهار الخضوع والخشوع عند الجنازة ، وكانوا إذا حضروا جنازة يلقى أحدهم حبيبه ولا يقبل عليه إلاَّ بالسلام حتى يرى أنه واجد عليه ، وكانوا لا يضحكون هناك ، ورأى بعضهم رجلاً يضحك فآلى أن لا يكلمه أبدا ، وكان يبقى أثر ذلك عندهم ثلاثة أيام لشدة ما يحصل في قلوبهم من الخوف والفزع . وفيه : أن النفس المخلوقة إما سعيدة وإما شقية ، ولا يقال : إذا وجبت الشقاوة والسعادة بالقضاء الأزلي والقدر الإلهي فلا فائدة في التكليف ، فإن هذا أعظم شبه النافين للقدر ، وقد أجابهم الشارع بما لا يبقى معه إشكال ، ووجه الانفصال أن الرب تعالى أمرنا بالعمل ، فلا بد من امتثاله ، وغيب عنا المقادير لقيام حجته وزجره ، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته ، فسبيله التوقف ، فمن عدل عنه ضل لأن القدر سر من أسراره لا يطلع عليه إلاَّ هو فإذا دخلوا الجنة كشف لهم . 38 ( ( بابُ ما جاءَ فِي قاتِلِ النَّفْسِ ) ) أي : هذا باب في بيان ما جاء من الأخبار في حق قاتل النفس ، قيل : مقصود الترجمة حكم قاتل النفس ، والمذكور في الباب حكم قاتل نفسه فهو أخص من الترجمة ، ولكنه أراد أن يلحق بقاتل نفسه قاتل غيره من باب الأولى . قلت : قوله : قاتل النفس ، أعم من أن يكون قاتل نفسه ، وقاتل غيره ، فهذا اللفظ يشمل القسمين فلا يحتاج في ذلك إلى دعوى الأخصية ولا إلى إلحاق قاتل الغير بقاتل نفسه ، ولا يلزم أن يكون حديث الباب طبق الترجمة من سائر الوجوه ، بل إذا صدق الحديث على جزء ما صدقت عليه الترجمة ، كفى . وقيل : عادة البخاري إذا توقف في شيء ترجم عليه ترجمة مبهمة كأنه ينبه على طريق الاجتهاد ، وقد نقل عن مالك أن قاتل النفس لا تقبل توبته ، ومقتضاه أن لا يصلى عليه . قلت : لا نسلم أن هذه الترجمة مبهمة ، والإبهام من أين جاء وهي ظاهرة في تناولها القسمين المذكورين كما ذكرنا ؟ وقال بعضهم : لعل البخاري أشار بذلك إلى ما رواه أصحاب السنن من حديث جابر بن سمرة ، رضي الله تعالى عنه : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ( أتي برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه ) . وفي رواية للنسائي : ( أما أنا فلا أصلي عليه ) لكنه لما لم يكن على شرطه أومأ إليه بهذه الترجمة وأورد فيها ما يشبهه من قصة قاتل نفسه . قلت : توجيه كلام البخاري في الترجمة بالتخمين لا يفيد ، وكلامه ظاهر لا يحتاج إلى هذا التكلف ، والوجه ما ذكرناه .