( موعظة المحدث ) ، أي : وفي بيان قعود أصحاب المحدث حول المحدث ، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الجلوس مع الجماعة عند القبر ، إن كان لمصلحة تتعلق بالحي أو الميت لا يكره ذلك ، فأما مصلحة الحي فمثل أن يجتمع قوم عند قبر وفيهم من يعظهم ويذكرهم الموت وأحوال الآخرة ، وأما مصلحة الميت فمثل ما إذا اجتمعوا عنده لقراءة القرآن والذكر ، فإن الميت ينتفع به وروى أبو داود من حديث معقل بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اقرأوا ي
1764 ; س على موتاكم ) . وأخرجه النسائي وابن ماجة أيضا ، فالحديث يدل على أن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده ، وهو حجة على من قال : إن الميت لا ينتفع بقراءة القرآن .
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجدَاثِ الأجْدَاثُ القُبُورُ
مطابقة هذا وما بعده للترجمة من حيث أن ذكر خروج بني آدم من القبور وبعثرة ما في القبور وإيفاضهم أي : إسراعهم إلى المحشر وهم ينسلون أي : يخرجون ، كل ذلك من الموعظة . والأجداث جمع : جدث ، وهو القبر . وقد قالوا : جدف ، بالفاء موضع الثاء المثلثة إلاَّ إنهم لم يقولوا في الجمع : أجداف ، بالفاء وأشار بهذا إلى أن المراد من الأجداث في الآية : القبور ، وقد وصله ابن أبي حاتم وغيره من طريق قتادة والسدي وغيرهما وفي ( المخصص ) قال الفارسي : اشتقاق الجدف بالفاء من التجديف ، وهو كفر النعم ، وفي ( الصحاح ) : الجدث القبر والجمع أجدث وأجداث . وقال ابن جني : وأجدث ، موضع ، وقد نفى سيبويه أن يكون أفعل من أبنيه الواحد ، فيجب أن يعد هذا مما فاته ، إلاَّ أن يكون جمع الجدث الذي هو القبر على أجدث ، ثم سمى به الموضع ، وفي ( المجاز ) لأبي عبيدة : بالثاء لغة أهل العالية ، وأهل نجد يقولون : جدف ، بالفاء .
بُعْثِرَتْ : أُثِيرَتْ ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي أيْ جَعَلْتُ أسْفَلَهُ أعْلاهُ
أشار به إلى قوله تعالى : * ( وإذا القبور بعثرت ) * ( الانفطار : 4 ) . وأن معناه : أثيرت من الإثارة ، وفي ( الصحاح ) : قال أبو عبيدة : بعثر ما في القبور أثير وأخرج . وقال في ( المجاز ) : بعثرت حوضي أي : هدمته . وفي ( المعاني ) للفراء : بعثرت وبحثرت : لغتان وفي ( تفسير الطبري ) عن ابن عباس : بعثرت بحثت . وفي ( المحكم ) : بعثر المتاع والتراب قلبه ، وبعثر الشيء فرقه ، وزعم يعقوب أن عينها بدل من عين بعثر أو غين بدل منها ، وبعثر الخبر بحثه . وفي ( الواعي في اللغة ) : بعثرته إذا قلبت ترابه وبددته .
الإيفَاضُ الإسْرَاعُ
الإيفاض ، بكسر الهمزة ، مصدر من أوفض يوفض إيفاضا ، وأصل إيفاض أوفاض ، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، وأشار به إلى قوله تعالى : * ( كأنهم إلى نضب يوفضون ) * ( المعارج : 34 ) . وثلاثية : وفض من الوفض ، وهو : العجلة .
وَقَرَأ الأعْمَشُ إلَى نَصْبٍ إلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إلَيْهِ وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ
الأعمش هو سليمان . قوله : ( إلى نصب ) ، بفتح النون كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر : بالضم ، والأول أصح ، وهو قراءة الجمهور ، وحكى الطبري أنه لم يقرأه بالضم إلا الحسن البصري وفي ( المعاني ) للزجاج : قرئت ( نصب ) ، نصب ، بضم النون وسكون الصاد ، و : نصب ، بضم النون والصاد ، ومن قرأ : نصب ونصب ، فمعناه كأنهم يوفضون إلى علم منصوب لهم ، ومن قرأ : نصب ، فمعناه إلى أصنام لهم ، وكانت النصب الآلهة التي كانت تعبد من أحجار . وفي ( المنتهى ) : النصب والنصب والنصب ، بمعنى مثل : العمر والعمر والعمر ، وقيل : النصب حجر ينصب فيعبد ويصب عليه دماء الذبائح ، وقيل : هو العلم ينصب للقوم ، أي : علم كان . وفي ( المحكم ) : النصب جمع نصيبة ، كسفينة وسفن ، وقيل : النصب الغاية ، ذكره عبد في تفسيره عن مجاهد وأبي العالية ، وضعفه ابن سيده ، وقال ابن التين : قرأ أبو العالية والحسن بضم النون والصاد ، وقال الحسن فيما حكاه عبد في تفسيره : كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم سراعا أيهم يستلمها أولاً لا يلوي أولهم على آخرهم . وقال أبو عبيدة : النصب بالفتح العلم الذي ينصب ، ونصب بالضم جماعة مثل : رهن ورهن . قوله : ( يوفضون ) أي : يسرعون ، وهو من الإيفاض كما مر ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا مسلم بن إبراهيم عن قرة عن الحسن في قوله : * ( إلى نصب يوفضون ) * ( المعارج : 34 ) . أي : يبتدرون أيهم يستلمه أول . قوله : ( والنضب واحد والنصب مصدر ) أشار بهذا إلى أن لفظ النصب يستعمل اسما
عمدة القاري — صفحة 186
مساهمون: العيني
ص١٨٦