تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 303

مساهمون:

ص٣٠٣
الأوزاعي عن الزهري ، فذكره بلفظ : ( قرأ قراءة طويلة فجهر بها ) ، يعني : في صلاة الكسوف ، وفي رواية الترمذي من رواية سفيان بن حسين عن الزهري ، بلفظ : ( صلى صلاة الكسوف وجهر بها في القراءة ) . وقال : هذا حديث حسن صحيح ، وعند أصحاب السنن من حديث سمرة وابن عباس كما ذكرنا : أنهما لم يسمعا حرفا ، ولا شك أن حديث عائشة أصرح بالجهر فيها ، وحديثها متفق عليه ، وقد أجاب عنه القائلون بالإسرار بجوابين : أحدهما : ما قاله النووي في ( شرح مسلم ) : بأن هذا عند أصحابنا ، والجمهور محمول على كسوف القمر . والثاني : ما قاله ابن عبد البر في ( الاستذكار ) من الإشارة إلى تضعيف الحديث قلت : يرد الجواب الأول ما رواه إسحاق بن راهويه عن الوليد بن مسلم بإسناده إلى عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في كسوف الشمس وجهر بالقراءة ) . رواه الخطابي في ( أعلام الجامع الصحيح ) من طريق ابن راهويه . وأما تضعيف ابن عبد البر الحديث فكأنه من جهة سفيان بن حسين عن الزهري ، فإن أحمد قال : ليس بذلك في حديثه عن الزهري ، وعن يحيى : ثقة في غير الزهري لا يدفع قلت : قال يعقوب ابن شيبة : صدوق ثقة ، روى له مسلم في مقدمة كتابه ، واستشهد به البخاري ، وروى له عن الأربعة ومع ذلك فقد تابعه على ذلك عن الزهري عبد الرحمن بن نمر وسليمان بن كثير ، وإن كانا ليني الحديث ، وقال شارح الترمذي : وعلى هذا فالمختار الجهر ، فلذلك قال الخطابي : إنه أشبه بمذهب الشافعي لقوله : إذا صح الحديث فهو مذهبي . وقال البخاري : حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة . وقال البيهقي في ( الخلافيات ) : لكنه ليس بأصح من حديث ابن عباس الذي قال فيه نحوا من قراءة سورة البقرة . قال الشافعي : فيه دليل على أنه لم يسمع ما قرأ لأنه لو سمعه لم يقدره بغيره ، فإن قيل : قال الشافعي : وروي عن ابن عباس أنه قال : قمت إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم في خسوف الشمس فما سمعت منه حرفا ؟ وأجيب : بأنه لا يصح هذا عن ابن عباس ، لأن في إسناده ابن لهيعة ، وفي آخر الوافدي ، وفي آخر الحكم بن أبان . الوجه السادس : في صلاة خسوف القمر : قال أصحابنا : ليس في خسوف القمر جماعة ، وقيل : الجماعة جائزة عندنا لكنها ليست بسنة لتعذر اجتماع الناس بالليل ، وإنما يصلي كل واحد منفردا ، وعند مالك : لا صلاة فيه ، وعند الشافعي : يصلي للخسوف كما يصلي للكسوف بجماعة وركوعين وبالجهر بالقراءة وبخطبتين بينهما جلسة ، وبه قال أحمد وإسحاق إلاّ في الخطبة . واستدل أبو حنيفة ومالك بأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع لكسوف الشمس ، ولما خسف القمر في جمادى الآخرة سنة أربع فيما ذكره ابن الجوزي وغيره لم يجمع فيه . وقال مالك : لم يبلغنا ولا أهل بلدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع لخسوف القمر ، ولا نقل عن أحد من الأئمة بعده أنه جمع فيه ، وذكر ابن قدامة أن أكثر أهل العلم على مشروعية الصلاة لخسوف القمر ، فعله ابن عباس ، وبه قال عطاء والحسن وأبو ثور ، وهو مروي عن عثمان بن عفان وجماعة المحدثين وعمر بن عبد العزيز مستدلين بقوله : ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله فإذا رأيتم ذلك فصلوا ) . وروى الدارقطني من حديث إسحاق بن راشد عن الزهري عن عروة عن عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات وأربع سجدات ويقرأ في الركعة الأولى بالعنكبوت أو : الروم ، وفي الثانية : بيس ) . وفي حديث قبيصة مرفوعا : ( إذا انكسفت الشمس أو القمر فصلوا ) . وروى الدارقطني بسند جيد من حديث حبيب بن ثابت عن طاووس عن ابن عباس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في كسوف الشمس والقمر ثمان ركعات في أربع سجدات ) . وبوب البخاري : باب الصلاة في كسوف القمر ، على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى . فائدة : اختلفت الأحاديث الواردة في كيفية صلاة الكسوف من الاقتصار على ركوعين ، كما في حديث أبي بكرة وغيره ، وثلاث ركوعات في كل ركعة كما في حديث جابر ، وأربع ركوعات في ركعتين كما في حديث عائشة وغيره ، وست ركوعات في ركعتين كما في حديث جابر وغيره وثمان ركوعات في ركعتين كما في حديث أبي بن كعب ، وخمسة عشر ركعة في ثلاث ركوعات ، رواه الحاكم في ( المستدرك ) عن أبي بن كعب . ومما يستفاد من الحديث المذكور : أن الجنة والنار مخلوقتان اليوم ، وهو مذهب أهل السنة والجماعة . وفيه : أن تعذيب الحيوان غير جائز ، وأن المظلوم من الحيوان يسلط يوم القيامة على ظالمه . وفيه : معجزة النبي ، صلى الله عليه وسلم .