تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
منه ، وأفعال الصلاة ، ثم تأتي قومه فيصلي بهم صلاة الفرض . فإن قلت : يستبعد من معاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ويأتي به مع قومه ، وكيف يظن بمعاذ بعد سماعه قول النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة ) . ولعل صلاة واحدة مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، خير له من كل صلاة صلاها في عمره ، ولا سيما في مسجده التي هي خير من ألف صلاة فيما سواه قلت : أليس تفوت الفضيلة معه ، صلى الله عليه وسلم ، في سائر أئمة مساجد المدينة ، وفضيلة النافلة خلفه من أداء الفرض مع قومه يقوم مقام أداء الفريضة خلفه ، وامتثال أمر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في إمامة قومه زيادة طاعة . الثالث : قال المهلب : يحتمل أن يكون حديث معاذ كان أول الإسلام وقت عدم القراء ، أو وقت لا عوض للقوم من معاذ ، فكانت حالة ضرورة فلا تجعل أصلاً يقاس عليه . قلت : هذا كان قبل أحد ، فلا حاجة إلى ذكر الاحتمال . الرابع : أنه يحتمل أن يكون كان معاذ يصلي مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، صلاة النهار ، ومع قومه صلاة الليل ، لأنهم كانوا أهل خدمة لا يحضرون صلاة النهار في منازلهم ، فأخبر الراوي عن حال معاذ في وقتين لا في وقت واحد . الخامس : أنه حديث منسوخ على ما نذكره ، إن شاء الله تعالى . قوله : ( فصلى العشاء ) ، كذا في معظم الروايات ، ووقع في رواية لأبي عوانة والطحاوي من طريق محارب : ( صلى بأصحابه المغرب ) وكذا في رواية عبد الرزاق من رواية أبي الزبير . وقال بعضهم : فإن حمل على تعدد القضية أو على أن المغرب أريد به العشاء مجازا وإلاّ فما في الصحيح أصح ؟ قلت : رجال الطحاوي في روايته رجال الصحيح ، فمن أين يأتي الأصحية في رواية العشاء ؟ قوله : ( فقرأ بالبقرة ) ، وفي رواية مسلم عن ابن عيينة : ( فقرأ بسورة البقرة ) . وكذا في رواية الإسماعيلي ، وقال بعضهم : فالظاهر أن ذلك من تصرف الرواة . قلت : ليس ذلك من تصرف الرواة ، بل من تعدد القضية . قوله : ( فانصرف الرجل ) ، إماأن يراد به الجنس ، والمعرف تعريف الجنس كالنكرة في مؤداه ، فكأنه قال : رجل أو يراد المعهود من رجل معين ، ووقع في رواية الإسماعيلي : ( فقام رجل وانصرف ) ، وفي رواية سليم بن حبان : ( فتحول رجل فصلى صلاة خفيفة ) ، وفي رواية مسلم عن ابن عيينة : ( فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده ) ، قال بعضهم : هو ظاهر في أنه قطع الصلاة . ونقل عن النووي أنه قال : قوله : ( فسلم ) ، دليل على أنه قطع الصلاة من أصلها ثم استأنفها ، فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر ، قلت : ذكر البيهقي أن محمد بن عباد شيخ مسلم تفرد به بقوله : ( ثم سلم ) وأن الحفاظ من أصحاب ابن عيينة ومن أصحاب شيخه عمرو بن دينار وأصحاب جابر لم يذكروا السلام ، وكأنه فهم أن هذه اللفظة تدل على أن الرجل قطع الصلاة لأن السلام يتحلل به من الصلاة ، وسائر الروايات تدل على أنه قطع الصلاة فقط ولم يخرج من الصلاة ، بل استمر فيها منفردا . وقال بعضهم : واستدل بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل ، وذلك لأن ابن جريج روى عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب : ( هي له تطوع ولهم فريضة ) . قلت : هذه زيادة ، وقد تكلموا فيها ، فزعم أبو البركات ابن تيمية : أن الإمام أحمد ضعف هذه الزيادة ، وقال : أخشى أن لا تكون محفوظة ، لأن ابن عيينة يزيد فيها كلاما لا يقوله أحد ، وقال ابن قدامة في ( المغني ) : وروى الحديث منصور بن زاذان وشعبة فلم يقولا ما قال سفيان بن عيينة ، وقال ابن الجوزي : هذه الزيادة لا تصح ، ولو صحت لكانت ظنا من جابر ، وبنحوه ذكره ابن العربي في ( العارضة ) . وقال الطحاوي : أخبرنا ابن عيينة روى عن عمرو حديث جابر أتم من سياق ابن جريج ، ولم يذكر هذه الزيادة . وقال بعضهم : وتعليل الطحاوي بهذا ليس بقادح في صحته ، لأن ابن جريج أسن وأجل من ابن عيينة وأقدم أخذا عن عمرو بن دينار منه ، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه قلت : هذه مكابرة لتمشية كلامه في حق الطحاوي ، فهل ذكر هذا عند قول أحمد ، وهو أجل من ابن جريج وابن عيينة : هذه الزياة ضعيفة ، أو عند كلام ابن الجوزي : إن هذه الزيادة لا تصح ، أو عند كلام ابن العربي على ما ذكرنا ؟ وهذا الرافعي الذي هو من أكابر أئمتهم ، وممن يعتمد عليهم ويؤخذ عليهم ، قال في شرح هذا الحديث : هذا غير محمول على ما قالوا ، لأن الفرض لا يقطع بعد الشروع فيه ، وكون ابن جريج أسن من ابن عيينة وأقدم أخذا عن عمرو بن دينار منه بعد التسليم لا يستلزم نفي ما قاله الطحاوي ، وقد قال الطحاوي : يحتمل أن تكون هذه الزيادة مدرجة ، ورده بعضهم بأن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل ، فمهما كان مضموما إلى الحديث
عمدة القاري — صفحة 237 | العيني