تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
استفسار الحاكم والمفتي عما يحتمل ذلك ، كقوله ، صلى الله عليه وسلم : ( ألك ولد غيره ؟ وأفكلهم أعطيته ؟ ) . وفيه : جواز تسمية الهبة صدقة . وفيه : أن للأم كلاماً في مصلحة الولد . وفيه : المبادرة إلى قبول قول الحق وأمرَ الحاكم والمفتي بتقوى الله كل حال . وفيه : إشارة إلى سوء عاقبة الحرض أن عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولدها لما رجع فيه ، فلما اشتد حرصها في تثبيت ذلك أفضى إلى بطلانه . 41 ( ( بابُ هِبَةِ الرَّجُلِ لامْرَأتِهِ والمَرْأةِ لِزَوْجِها ) ) أي : هذا باب في بيان حكم هبة الرجل لامرأته ، وحكم هبة المرأة لزوجها ، وحكمها أنه يجوز ، فإذا جاز هل لأحدهما أن يرجع على الآخر ؟ فلا يجوز على ما يجيء بيانه ، إن شاء الله تعالى . قال إبْرَاهِيمُ جائِزَةٌ إبراهيم هو ابن يزيد النخعي ، أي : هبة الرجل لأمرأه ، وهبة المرأة لزوجها جائزة . وهذا تعليق وصله عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم ، قال : إذا وهبت له أو وهب لها فلكل واحد منهما عطيته . ووصله الطحاوي من طريق أبي عوانة عن منصور ، قال : قال إبراهيم : إذا وهبت امرأة لزوجها ، أو وهب الزوج لامرأته ، فالهبة جائزة وليس لواحد منهما أن يرجع في هبته . ومن طريق أبي حنيفة : عن حماد عن إبراهيم الزوج والمرأة بمنزلة ذي الرحم ، إذا وهب أحدهما لصاحبه لم يكن له أن يرجع . وقال عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ : لاَ يَرْجِعَانِ عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين ، وأحد الزهاد العابدين . قوله : ( لا يرجعان ) ، يعني : لا يرجع الزوج على الزوجة ولا الزوجة على الزوج فيما إذا وهب أحدهما للآخر ، وهذا وصله أيضاً عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الرحمن بن زياد : أن عمر ابن عبد العزيز قال مثل قول إبراهيم ، وقال ابن بطال : قال بعضهم : لها أن ترجع فيما أعطته ، وليس له أن يرجع فيما أعطاها ، روى هذا عن شريح والزهري والشعبي ، وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين ، كان شريح إذا جاءته امرأة وهبت لزوجها هبة ثم رجعت فيها يقول له : بينتك : أنها وهبتك طيبة نفسها من غير كره ولا هوان ، وإلاَّ فيمينها : ما وهبت بطيب نفسها إلاَّ بعد كره ، وهو إن انتهى فهذا يقتضي أنها ليس لها الرجوع إلاَّ بهذا الشرط . واسْتَأْذَنِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم نِساءَهُ في أنْ يُمَرَّضَ في بَيْتِ عائِشَةَ ، رضي الله تعالى عنها مطابقته للترجمة من حيث إن أزواج النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وهبن له ما استحقين من الأيام ، ولم يكن لهن رجوع فيما مضى ، وهذا على حمل الهبة على معناها اللغوي ، وهذا التعليق وصله البخاري في هذا الباب على ما يجيء عن قريب ، ووصله أيضاً في آخر المغازي على ما يجيء ، إن شاء الله تعالى . قوله : ( أن يمرض ) ، على صيغة المجهول ، من التمريض وهو القيام على المريض في مرضه . وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم العائِدُ في هِبَتِهِ كالْكَلْبِ يعود في قَيْئِهِ مطابقته للترجمة من حيث إن عموم العائد في هبته المذموم يدخل فيه الزوج والزوجة ، وهذا التعليق وصله البخاري أيضاً في : باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته ، وسيأتي بعد خمسة عشر باباً ، وهذا الذي علقه أخرجه الستة إلاَّ الترمذي ، أخرجوه عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( العائد في هبته كالعائد في قيئه ) ، زاد أبو داود : قال قتادة ، ولا نعلم القيء إلاَّ حراماً ، واحتج بهذا طاووس وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق على أنه : ليس للواهب أن يرجع فيما وهبه إلاَّ الذي ينحله الأب لابنه ، وعند مالك : له أن يرجع في الأجنبي الذي قصد منه الثواب ولم يثبه ، وبه قال أحمد في رواية . وقال أبو حنيفة وأصحابه : للواحد الرجوع في هبته من الأجنبي ما دامت قائمة ولم يعوض منها ، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وشريح القاضي والأسود بن يزيد ، والحسن البصري والنخعي والشعبي ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب