تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
على البائع بالنقصان من الثمن لتعذر الرد ، وفي رواية ( الأسرار ) : لا يرجع ، لأن اجتماع اللبن وجمعه لا يكون عيبا . وأجابوا عن الحديث بأجوبة . الأول : ما قاله محمد بن شجاع : إن هذا الحديث نسخه حديث : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فلما قطع صلى الله عليه وسلم بالفرقة الخيار ثبت بذلك أن لا خيار لأحد بعد ذلك إلاَّ لمن استثناه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا ، وهو قوله : ( إلاَّ بيع الخيار المجهول ) ورده الطحاوي بأن الخيار المجهول في المصراة إنما هو خيار عيب ، وخيار العيب لا تقطعه الفرقة . الثاني : ما قاله عيسى بن أبان ، كان ذلك في أول الإسلام حيث كانت العقوبات في الديون حتى نسخ الله سبحانه وتعالى الربا ، فردت الأشياء المأخوذة إلى أمثالها . الثالث : ما قاله ابن التين ، ومن جملة ما رووا به حديث المصراة بالاضطراب ، قال مرة : صاعا من تمر ، ومرة : صاعا من طعام ، ومرة مثل أو مثلي لبنها . الرابع : أن الحديث ، وإن وقع بنقل العدل الضابط عن مثله إلى قائله ، لا بد في اعتباره أن يكون غير شاذ ولا معلول ، وهذا معلول لأنه يخالف عموم الكتاب والسنة المشهورة ، فيتوقف بها عن العمل بظاهره . أما عموم الكتاب فقوله تعالى : * ( فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) * ( البقرة : 491 ) . وقوله : * ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم ) * ( النحل : 621 ) . وأما الحديث فقوله ، صلى الله عليه وسلم : ( الخراج بالضمان ) ، رواه الترمذي من حديث ابن عباس ، وصححه ، ورواه الطحاوي من حديث عائشة ، ويروى : ( الغلة بالضمان ) ، والمراد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة ، عبدا كان أو أمة أو ملكا ، وذلك أن يشتريه فيستعمله زمانا ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه ، أو لم يعرفه ، فله رد العين المبيعة وأخذ الثمن ، ويكون للمشتري ما استعمله ، لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه ، ولم يكن له على البائع شيء . ثم أن هؤلاء قد زعموا أن رجلاً لو اشترى شاة فحلبها ثم أصاب عيبا غير التحفيل والتصرية أنه يردها ويكون اللبن له ، وكذلك لو اشترى جارية مثلاً فولدت عنده ثم ردها على البائع لعيب وجد بها ، يكون الولد له ، قالوا : لأن ذلك من الخراج الذي جعله النبي ، صلى الله عليه وسلم ، للمشتري بالضمان ، فإذا كان الأمر كذلك ، فالصاع من التمر الذي يوجبه هؤلاء على مشتري المصراة إذا ردها على بايعها بسبب التصرية والتحفيل ، لا يخلو إما أن يكون عوضا من جميع اللبن الذي احتلبه منها ، كان بعضه في ضرعها وقت وقوع البيع ، وحدث بعضه في ضرعها بعد البيع . وأما أن يكون عوضا عن اللبن الذي في ضرعها وقت وقوع البيع خاصة ، فإن أرادوا الوجه الأول فقد ناقضوا أصلهم الذي جعلوا به اللبن والولد للمشتري بعد الرد بالعيب في الصورتين اللتين ذكرناهما ، وذلك لأنهم جعلوا حكمهما كحكم الخراج الذي فعله النبي ، صلى الله عليه وسلم ، للمشتري بالضمان ، وإن أرادوا به الوجه الثاني فقد جعلوا للبائع صاعا دينا بدين ، وهذا غير جائز لا في قولهم ولا في قول غيرهم ، وأي المعنيين أرادوا فهم فيه تاركون أصلاً من أصولهم ، وقد كان هؤلاء أولى بالقول بنسح الحكم في المصراة لكونهم يجعلون اللبن في حكم الخراج ، وغيرهم لا يجعلون كذلك ، فظهر من ذلك فساد كلامهم وفساد ما ذهبوا إليه . فإن قلت : لا نسلم أن يكون اللبن في حكم الخراج ، لأن اللبن ليس بغلة وإنما كان محفلاً فيها ، فيلزم رده . قلت : هذا ممنوع ، لأن الغلة هي الدخل الذي يحصل ، وهي أعم من أن يكون لبنا أو غيره ، وأيضا يلزمهم على هذا أن يردوا عوض اللبن إذا ردت المصراة بعيب آخر غير التصرية ، ولم يقولوا به . فإن قلت : هذا حكم خاص في نفسه ، وحديث : الخراج بالضمان ، عام ، والخاص يقضي على العام . قلت : هذا زعمك ، وإنما الأصل ترجيح العام على الخاص في العمل به ، ولهذا رجحنا قوله ، صلى الله عليه وسلم ، في الأرض : ( ما أخرجت ففيه العشر ) ، على الخاص الوارد ، بقوله : ( ليس في الخضراوات صدقة ، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) ، وأمثال ذلك كثيرة . ويُذْكَرُ عنْ أبِي صَالِحٍ ومُجاهِدٍ والوَلِيدِ بنِ رَباحٍ ومُوسَى بنِ يَسارٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم صاعَ تَمْرٍ التعليق عن أبي صالح ذكوان الزيات ، رواه مسلم ، قال : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن القاري عن سهيل عن أبيه أبي صالح عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاث أيام ، إن شاء أمسكها ، وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر ) . انتهى . وأحاديث المصراة على نوعين . أحدهما : مطلق عن ذكر مدة الخيار ، وبه أخذت المالكية وحكموا فيها بالرد مطلقا . والآخر : منها : مقيد ذكر مدة الخيار كما في رواية مسلم