تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
القيمة وإن كان دونه فلا ، هكذا حده أبو بكر وابن أبي موسى من الحنابلة ، وقيل : السدس ، وعن داود : العقد باطل ، وعن مالك : إن كانا عارفين بتلك السلعة وسعرها وقت البيع لم يفسخ البيع ، كثيرا كان الغبن أو قليلاً ، فإن كان أحدهما غير عارف بذلك فسخ البيع ألاَّ أن يريد أن يمضيه ، ولم يحد مالك حدا ، وأثبت هؤلاء خيار الغبن بالحديث المذكور . وأجاب الحنفية والشافعية وجمهور العلماء عن الحديث بأنها واقعة عين وحكاية حال ، وقال ابن العربي ينبغي أن يقال : إنه كله مخصوص بصاحبه ، لا يتعدى إلى غيره فإن كان يخدع في البيوع فيحتمل أن الخديعة كانت في العيب أو في العين أو في الكذب أو في الغبن في الثمن ، وليست قضية عامة ، فتحمل على العموم ، وإنما هي خاصة في عين وحكاية حال ، فلا يصح دعوى العموم فيها عند أحد . ثم أورد ابن العربي على نفسه قول عمر ، رضي الله تعالى عنه ، فيما رواه الدارقطني من طريق ابن أبي لهيعة : حدثنا حبان بن واسع عن طلحة بن يزيد بن ركانة أنه كلم عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنهم ، في البيوع ، فقال : ما أجد لكم شيئا أوسع مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبان ابن منقذ . . . فذكر الحديث ، فلم يجعل عمر خاصا به . ثم أجاب عنه بضعف الحديث من أجل ابن لهيعة . انتهى . وقال الجمهور أيضا : لو كان الغبن مثبتا للخيار لما احتاج إلى اشتراط الخيار ، كما رواه البيهقي والدارقطني في بعض طرق الحديث أنه اشترط الخيار ثلاثا ، ولا احتاج أيضا إلى قوله : لا خلابة . الثاني : استدل به الشافعي وأحمد وإسحاق ، رضي الله تعالى عنهم ، على حجر السفيه الذي لا يحسن التصرف ، ووجه ذلك أنه لما طلب أهله إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، الحجر عليه ، دعاه فنهاه عن البيع ، وهذا هوالحجر ، وهو : المنع : قلنا : هذا نهي خاص به لضعف عقله ، ولا يسري هذا في الحجر على الحر العاقل البالغ ، لأن في حقه إهدار الآدمية . وقد روى الترمذي من حديث أنس أن رجلاً كان في عقدته ضعف ، وكان يبايع ، وأن أهله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ! أحجر عليه . فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه ، قال : يا رسول الله إني لا أصبر عن البيع ، فقال : إذا بايعت فقل : ها ولا خلابة . ورواه بقية أصحاب السنن ، وقال النووي : هذا الرجل المبهم هو حبان بن منقذ . وقال ابن العربي : هو منقذ بن عمرو ، والأول أرجح . قوله : ( في عقدته ضعف ) أرادت ضعف العقل وعقدة الرجل ما عقد عليه ضميره ونيته ، أي : عزم عليه ونواه . الثالث : استدل به أبو حنيفة إلى أن ضعيف العقل لا يحجر عليه ، لأنه لما قال له : إنه لا يصبر على البيع أذن له فيه بالصفة التي ذكرها ، فهذا دال على عدم الحجر . الرابع : استدل به ابن حزم على أنه يتعين في اللفظ الموجب للخيار ذكر الخلابة دون غيره من الألفاظ ، فلو كان : لا خديعة أو : غش أو : لا كيد أو : لا مكر أو : لا عيب أو : لا ضرر أو : لا داء ، أو : لا غائلة أو : لا خبث أو : على السلامة أو نحو هذا ، لم يكن له الخيار المجعول لمن قال : لا خلابة ، إلاَّ أن يكون في لسانه خلل يعجز عن اللفظ بها ، فيكفي أن يأتي بما يقدر عليه من هذا للفظ ، كما كان يفعل هذا الرجل المذكور من قوله : لا خيابة ، بالياء آخر الحروف ، أو : لا خذابة بالذال ، على اختلاف الروايتين . وكذلك إن لم يكن يحسن العربية فقال معناها باللسان الذي يحسنه ، فإنه يثبت له الخيار . وقال بعضهم : ومن أسهل ما يرد به عليه أنه ثبت في ( صحيح ) مسلم أنه كان يقول : لا خيابة ، بالتحتانية بدل اللام ، وبالذال المعجمة بدل اللام أيضا ، وكأنه كان لا يفصح باللاَّم للثغة لسانه ، ومع ذلك لم يتغير الحكم في حقه عند أحد من الصحابة الذين كانوا يشهدون له بأن النبي صلى الله عليه وسلم جعله بالخيار ، فدل على أنهم اكتفوا في ذلك بالمعنى . انتهى . قلت : هذا عجيب ، وكيف يكون هذا أسهل ما يرد به عليه وهو قائل بما ذكره هذا القائل عند العجز ، وكلامه عند القدرة . الخامس : قال بعضهم : استدل به على أن أمد خيار الشرط ثلاثة أيام من غير زيادة ، لأنه حكم ورد على خلاف الأصل ، فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه ، ويؤيده جعل الخيار في المصراة ثلاثة أيام . واعتبار الثلاث في غير موضع . انتهى . قلت : هذا الباب فيه اختلاف الفقهاء . فقالت : طائفة : البيع بشرط الخيار جائز ، والشرط لازم إلى الأمد الذي اشترط إليه الخيار ، وهذا قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود وابن المنذر . وقال الليث : يجوز الخيار إلى ثلاثة أيام فأقل . وقال عبيد الله بن الحسن : لا يعجبني شرط الخيار الطويل إلاَّ أن الخيار للمشتري ما رضي البائع . وقال ابن شبرمة والثوري : لا يجوز البيع إذا شرط فيه الخيار للبائع أو لهما . وقال سفيان : البيع فاسد بذلك ، فإن شرط الخيار للمشتري عشرة أيام أو أكثر جاز . وقال مالك : يجوز شرط الخيار في بيع الثوب اليوم واليومين ، والجارية إلى خمسة أيام ، والجمعة ، والدابة تركب