حديث آخر رواه ابن حبان في ( صحيحه ) والبيهقي في ( سننه ) من رواية الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن عمه عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليس الصيام من الأكل والشرب فقط ، إنما الصيام من اللغو والرفث ، فإن سابك أحد أو جهل عليك ، فقل : إني صائم ) .
ذكر معناه : قوله : ( من لم يدع قول الزور ) ، أي : من لم يترك ، وقد ذكرنا تفسير الزور عن قريب ، وقال شيخنا ، قوله : هذا يحتمل أن يراد : من لم يدع ذلك مطلقا غيره مقيد بصوم ، ويكون معناه : أن من لم يدع قول الزور والعمل به الذي هو من أكبر الكبائر وهو متلبس به ، فماذا يصنع بصومه ؟ وذلك كما يقال : أفعال البر يفعلها البر والفاجر ولا يجتنب النواهي إلاَّ صدِّيق ، ويحتمل أن يكون المراد : من لم يدع ذلك في حال تلبسه بالصوم ، وهو الظاهر ، وقد صرح به في بعض طرق النسائي : ( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل في الصوم ) . وقد بوب الترمذي على هذا الحديث بقوله : باب ما جاء في التشديد في الغيبة للصائم . وقال شيخنا : فيه إشكال من حيث أن الحديث فيه قول الزور والعمل به ، والغيبة ليست قول الزور ولا العمل به ، إذ حد الغيبة على ما هو المشهور ذكرك أخاك بما فيه مما يكرهه ، وقول الزور هو الكذب والبهتان ، وقد فسر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قول الزور في قوله في سورة الحج ، بشهادة الزور ، فقال : ( عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ) ، وهكذا بوب أبو داود على الحديث : الغيبة للصائم ، وبوب عليه النسائي في ( الكبرى ) : ما ينهى عنه الصائم من قول الزور والغيبة ، وبوب عليه ابن ماجة : باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم ، وكأنهم والله أعلم فهموا من الحديث حفظ المنطق عن المحرمات ، ومن جملتها الغيبة ، ولهذا بوب عليه ابن حبان في ( صحيحه ) : ذكر الخبر الدال على أن الصيام إنما يتم باجتناب المحظورات لا بمجانبة الطعام والشراب ، والجمع فقط ، وفي بعض ألفاظ الحديث : ( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل ) ، فيحتمل أن يراد بالجهل جميع المعاصي ، وهذه اللفظة عند البخاري في كتاب الأدب ، وعند النسائي أيضا وابن حبان في ( صحيحه ) . ورواه ابن ماجة ولفظه : ( من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به ) ، قال شيخنا : الضمير في : به ، يحتمل أن يعود إلى الزور فقط ، وإن كان أبعد في الذكر لاتفاق الروايات عليه ، ويحتمل أن يعود على الجهل فقط لكونه أقرب مذكور ، وعلى هذا فالغيبة عمل بالجهل ، ويحتمل عود الضمير عليهما : أعني الزور والجهل ، وإنما أفرد الضمير لاشتراكهما في تنقيص الصوم . انتهى . قلت : يجوز أن يعود إليهما باعتبار كل واحد .
واختلف العلماء في أن الغيبة والنميمة والكذب : هل يفطر الصائم ؟ فذهب الجمهور من الأئمة إلى أنه لا يفسد الصوم بذلك ، وإنما التنزه عن ذلك من تمام الصوم . وعن الثوري : إن الغيبة تفسد الصوم ، ذكره الغزالي في ( الإحياء ) ، وقال : رواه بشر بن الحارث عنه ، قال : وروى ليث عن مجاهد : ( خصلتان تفسدان الصوم : الغيبة والكذب ) ، هكذا ذكره الغزالي بهذا اللفظ ، والمعروف عن مجاهد : ( خصلتان من حفظهما سلم له صومه : الغيبة والكذب ) ، هكذا رواه ابن أبي شيبة عن محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد ، وروى ابن أبي الدنيا عن أحمد بن إبراهيم عن يعلى بن عبيد عن الأعمش عن إبراهيم ، قال : كانوا يقولون : إن الكذب يفطر الصائم . وروى أيضا عن يحيى بن يوسف عن يحيى بن سليم عن هشام عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني ، قالوا : اتقوا المفطِرَين : الكذب والغيبة .
قوله : ( فليس لله حاجة ) هذا مجاز عن عدم الالتفات والقبول ، فنفى السبب وأراد المسبب ، قال ابن بطال : وضع الحاجة موضع الإرادة ، إذ الله لا يحتاج إلى شيء ، يعني : ليس لله إرادة في صيامه ، وقال أبو عمر : ليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه ، وإنما معناه التحذير من قول الزور ، وما ذكر معه ، وهو مثل قوله : ( من باع الخمر فليشقص الخنازير ) ، أي : يذبحها ، ولم يأمره بذبحها ، ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم بائع الخمر ، قال : فكذلك من اغتاب أو شهد زورا أو منكرا لم يؤمر بأن يدع صيامه ، ولكنه يؤمر باجتناب ذلك ليتم له أجر صومه . ثم قوله : ( فليس لله حاجة ) هكذا لفظ ( الصحيح ) وكتب السنن وغيرها من الكتب المشهورة ، وفي بعض طرقه : ( فليس به حاجة ) ، يعني بالذي يصوم بهذا الوصف ، رواه بهذا اللفظ البيهقي في ( شعب الإيمان ) من رواية يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري من غير ذكر أبيه ، وإسناده صحيح ، ويزيد بن هارون من أئمة المسلمين .
عمدة القاري — صفحة 276
مساهمون: العيني
ص٢٧٦