والإسماعيلي رجح الأول لاتفاق أبي عاصم وروح على خلاف ما قال هشام ، قيل : يعكر عليه أن عبد الرزاق وافق هشاما ، وهو عند مسلم ، قال : حدثنا محمد بن رافع ، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرنا سعيد بن أبي أيوب أن يزيد بن أبي حبيب أخبره أن أبا الخير حدثه الحديث ، وكذلك أخرجه أحمد ، ووافقهما محمد بن بكر عن ابن جريج وحجاج بن محمد عند النسائي ، فهؤلاء أربعة حفاظ ، رووه عن ابن جريج عن سعيد بن أبي أيوب ، فإن كان الترجيح بالأكثرية فروايتهم أولى ، وقد عرفت بذلك أن البخاري أشار إلى أن لابن جريج فيه شيخين وهما : يحيى بن أيوب وسعيد بن أبي أيوب .
بِسْمِ الله الرحْمانِ الرَّحِيمِ
92
( ( كتاب فضائل المدينة ) )
أي : هذا باب في بيان فضائل مدينة النبي صلى الله عليه وسلم لأن المدينة إذا أطلقت يتبادر إلى الفهم أنها المدينة التي هاجر إليها النبي صلى الله عليه وسلم ودفن بها ، وإذا أريد غيرها فلا بد من قيد للتمييز ، وذلك كالبيت إذا أطلق يراد به الكعبة ، والنجم إذا أطلق يراد به الثريا ، واشتقاقها من مَدَنَ بالمكان إذا أقام به ، وهي في مستوٍ من الأرض لها نخيل كثير والغالب على أرضها السباخ ، وعليها سور من لبن وكان اسمها قبل ذلك : يثرب ، قال الله تعالى : * ( وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب ) * ( الأحزاب : 31 ) . ويثرب اسم لموضع منها سميت كلها به ، وقيل : سميت بيثرب بن قانية من ولد إرم بن سام بن نوح ، لأنه أول من نزلها ، حكاه أبو عبيد البكري ، وقال هشام بن الكلبي : لما أهلك الله قوم عاد تفرقت القبائل ، فنزل قوم بمكة وقوم بالطائف وسار يثرب بن هذيل بن إرم وقومه فنزلوا موضع المدينة ، فاستخرجوا العيون وغرسوا النخيل وأقاموا زمانا فأفسدوا فأهلكهم الله تعالى ، ويبست النخيل وغارت العيون حتى مر بها تبع فبناها ، واختلفوا فيها ، فمنهم من يقول : إنها من بلاد اليمن ، ومنهم من يقول : إنها من بلاد الشام ، وقيل : إنها عراقية ، وبينها وبين العراق أربعون يوما ، والأصح أنها من بلاد اليمن ، وذلك لأنها بناها تبع الأكبر حين بشر بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبر أنه إنما يكون في مدينة يثرب ، وكانت يثرب يومئذ صحراء فبناها لأجل النبي صلى الله عليه وسلم ، وكتب بذلك عهدا . وقال ابن إسحاق : لما نزل تبع المدينة نزل بوادي قناة وحفر فيه بئرا فهي إلى اليوم تدعى ببئر الملك ، وذكر أيضا أن الدار التي نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الدار التي بناها تبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : ومن يوم مات تبع إلى مولد نبينا صلى الله عليه وسلم ألف سنة ، وقال الثعلبي بإسناده إلى سهل بن سعد ، رضي الله تعالى عنه ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم ، ويقال : كان سكان المدينة العماليق ، ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل قيل : أرسلهم موسى ، عليه السلام ، كما ذكره الزبير بن بكار ، ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم ، والأوس والخزرج أخوان ، وأمهما : قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة ، وهما الأنصار ، منهم الأوسيون ومنهم الخزرجيون ، وقد ذكرنا أن اسم المدينة كان يثرب ، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم : طيبة وطابة ، ومن أسمائها : العذراء ، وجابرة ، ومجبورة ، والمحبة ، والمحبوبة ، والقاصمة ، قصمت الجبابرة . ولم تزل عزيزة في الجاهلية ، وأعمها الله بمهاجرة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فمنعت على الملوك من التبابعة وغيرهم .
1
( ( بابُ حَرَمِ المَدِينَةِ ) )
أي : هذا باب في بيان فضل حرم المدينة ، وفي بعض النسخ : باب ما جاء في حرم المدينة ، وهو رواية أبي علي الشبوي ، ولم يذكر في رواية الأكثرين إلاَّ باب حرم المدينة ليس إلاَّ ، ووقع في رواية أبي ذر : باب فضائل المدينة ، ثم : باب حرم المدينة ، والحرم والحرام واحد ، كزمن وزمان ، والحرام : الممنوع منه إما بتسخير إلاهي ، أو بمنع شرعي . أو بمنع من جهة العقل ، أو من جهة من يرتسم أمره ، وسمي الحرم حرما لتحريم كثير فيه مما ليس بمحرم في غيره من المواضع ، ومنه الشهر الحرام وهو مأخوذ من الحرمة ، وهو ما لا يحل انتهاكه .
7681 حدَّثنا أبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا ثابِتُ بنُ يَزِيدَ قال حدثنا عاصمٌ أبُو عَبدِ الرَّحْمانِ الأحْوَلُ
عمدة القاري — صفحة 227
مساهمون: العيني
ص٢٢٧