تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة القاري — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
حين دخل مكة قال : لا يقتل أحد إلاَّ من قاتل إلاَّ نفرا سماهم ، فقال : اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة ، منهم : عبد الله بن خطل وعبد الله بن سعد ) . وإنما أمر بقتل ابن خطل لأنه كان مسلما ، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلاً من الأنصار وكان معه مولى يخدمه وكان مسلما ، فنزل منزلاً فأمر المولى أن يذبح تيسا ويصنع له طعاما ونام ، واستيقظ ولم يصنع له شيئا ، فعدا عليه فقتله ثم ارتد مشركا ، وكانت له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال أبو عمر : لأنه كان أسلم وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلاً من الأنصار وأمر عليهم الأنصاري ، فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصاري فقتله وذهب بماله . وقال صاحب ( التلويح ) : وروينا في مجالس الجوهري أنه كان يكتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان إذا نزل : غفور رحيم ، يكتب : رحيم غفور ، وإذا أنزل : سميع عليم ، وذكره بإسناده إلى الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي ، رضي الله تعالى عنه . وفي ( التوضيح ) : وكان يقال لابن خطل : ذا القلبين ، وفيه نزل قوله : * ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ) * ( الأحزاب : 4 ) . في رواية يونس عن ابن إسحاق : لما قتل يعني ابن خطل قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقتل قرشي صبرا بعد هذا اليوم ، وقيل : قال هذا في غيره . وهو الأكثر ، والله أعلم . ذكر ما يستفاد منه : من ذلك أن الحديث فيه دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام . فإن قلت : يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم كان محرما ، ولكنه غطى رأسه لعذر . قلت : قد مر في حديث مسلم عن جابر أنه لم يكن محرما . فإن قلت : يشكل هذا من وجه آخر ، وهو أنه . صلى الله عليه وسلم ، كان متأهبا للقتال ، ومن كان هذا شأنه جاز له الدخول بغير إحرام قلت : حديث جابر أعم من هذا ، فمن لم يرد نسكا جاز دخوله لحاجته ، تكرر : كالحطاب والحشاش والسقَّاء والصياد وغيرهم ، أم لم يتكرر : كالتاجر والزائر وغيرهما ، وسواء كان آمنا أو خائفا . وقال النووي : وهذا أصح القولين للشافعي ، وبه يفتي أصحابه . والقول الثاني : لا يجوز دخولها بغير إحرام إن كانت حاجته لا تكرر إلاَّ أن يكون مقاتلاً أو خائفا من قتال أو من ظالم لو ظهر ، ونقل القاضي نحو هذا عن أكثر العلماء . انتهى . واحتج أيضا من أجاز دخولها بغير إحرام أن فرض الحج مرة في الدهر ، وكذا العمرة ، فمن أوجب على الداخل إحراما فقد أوجب عليه غير ما أوجب الله . ومنه : استدلال بعضهم بحديث الباب على أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة ، وهو قول أبي حنيفة والأكثرين . وقال الشافعي وغيره : فتحت صلحا ، وتأولوا هذا الحديث على أن القتال كان جائزا له صلى الله عليه وسلم في مكة ، ولو احتاج إليه لفعله ، ولكن ما احتاج إليه . وقال النووي : كان صلى الله عليه وسلم صالحهم ، ولكن لما لم يأمن غدرهم دخل متأهبا . قلت : لا يعرف في شيء من الأخبار صريحا أنه صالحهم . ومنه : استدلال بعضهم على جواز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة ، قلنا : قال الله تعالى : * ( ومن دخله كان آمنا ) * ( آل عمران : 69 ) . ومتى تعرض إلى من التجأ به يكون سلب الأمن عنه ، وهذا لا يجوز ، وكان قتل ابن خطل في الساعة التي أحلت للنبي صلى الله عليه وسلم . ومنه : استدلال جماعة من المالكية على جواز قتل من سب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه يقتل ولا يستتاب . وقال أبو عمر : فيه نظر ، لأن ابن خطل كان حربيا ولم يدخله رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في أمانه لأهل مكة ، بل استثناه مع من استثنى . ومنه : مشروعية لبس المغفر وغيره من آلات السلاح حال الخوف من العدو ، وأنه لا ينافي التوكل . ومنه : جواز رفع أخبار أهل الفساد إلى ولاة الأمر ، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرمة ولا النميمة . 91 ( ( باب إذَا أحْرَمَ جاهِلاً وعلَيْهِ قَمِيصٌ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه إذا أحرم شخص حال كونه جاهلاً بأمور الإحرام ، والحال أن عليه قميصا ولم يدر هل عليه فدية في ذلك أم لا ؟ وإنما لم يذكر الجواب لأن حديث الباب لا يصرح بعدم وجوب الفدية . ألاَ ترى أنه ذكر أولاً أثر عطاء بن أبي رباح الذي هو راوي حديث الباب ، ولو كان فهم منه وجوب الفدية لما خفي عليه ، فلذلك قال : لا فدية عليه . وقال عَطَاءٌ إذَا تَطَيَّبَ أوْ لَبِسَ جاهِلاً أوْ نَاسِيا فَلاَ كَفَّارةَ عَلَيْهِ مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعطاء هو ابن أبي رباح . قوله : ( إذا تطيب ) ، أي : المحرم : وجاهلاً وناسيا ، حالان ، ويقول عطاء : قال
عمدة القاري — صفحة 208 | العيني