ابن السرح والحارث بن مسكين كلاهما عن ابن وهب قوله : ( أليس حسبكم سنةً رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ) أي : أليس يكفيكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لأن معنى الحسب الكفاية ، ومنه : حسبنا الله أي : كافينا ، وحسبكم مرفوع لأنه اسم : ليس ، وسنَّة رسول الله كلام إضافي منصوب على أنه خبر : ليس ، وقال عياض : ضبطنا سنة بالنصب على الإختصاص أو على إضمار فعل ، أي : تمسكوا ، وشبهه . وقال السهيلي : من نصب سنة فهو بإضمار الأمر كأنه قال : إلزموا سنة نبيكم . وقال بعضهم : خبر : حسبكم ، في قوله : ( طاف بالبيت ) . قلت : ليس كذلك ، بل خبر ليس على وجه نصب سنة على قول عياض والسهيلي . قوله : ( طاف بالبيت ) وهو أيضا سد مسد جواب الشرط . وقال الكرماني : فإن قلت : إذا كان محصرا فكيف يطوف بالبيت ؟ قلت : المراد من قوله : ( ان حبس ) الحبس عن الوقوف بعرفة قلت : لا حاجة إلى هذا التقدير ، لأن معنى : ( طاف بالبيت ) أي : إذا أمكنه ذلك ، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق : ( إن حبس أحدا منكم حابس عن البيت فإذا وصل إليه طاف به ) . قوله : ( وبالصفا والمروة ) ، أي : طاف بهما ، أي : سعى بين الصفا والمروة . قوله : ( فيهدي ) أي : يذبح شاة ، إذ التحلل لا يحصل إلاَّ بنية التحلل والذبح والحلق ، وإن لم يجد الهدي يصوم بدله بعدد أمداد الطعام الذي يحصل من قيمته . قلت : هكذا ذكره الكرماني ، وهو مذهب الشافعي ومن تابعه ، فإن عنده حكم المكي والغريب سواء في الإحصار ، فيطوف ويسعى ويحل ولا عمرة عليه على ظاهر حديث ابن عمر ، وأوجبها مالك على المحصر المكي وعلى من أنشأ من مكة ، وعند أبي حنيفة : لا يكون محصرا من بلغ مكة ، لأن المحصر عنده من منع الوصول إلى مكة وحيل بينه وبين الطواف والسعي ، فيفعل ما فعل الشارع من الإحلال من موضعه ، وأما من بلغها فحكمه عنده كمن فاته الحج : يحل بعمرة وعليه الحج من قابل ، ولا هدي عليه لأن الهدي لجبر ما أدخله على نفسه ، ومن حبس عن الحج فلم يدخل على نفسه نقصا . وقال الزهري : إذا أحصر المكي فلا بد له من الوقوف بعرفة ، وإن تعسر بعشي . وفي حديث ابن عمر رد عليه لأن المحصر لو وقف بعرفة لم يكن محصرا ، ألاَ يرى قول ابن عمر : طاف بالبيت وبين الصفا والمروة ، ولم يذكر الوقوف بعرفة .
وعن عَبْدِ الله قال أخبرَنَا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال حدَّثني سالِمٌ عنِ ابنِ عُمَرَ نَحْوَهُ
عبد الله هو ابن المبارك ، وأشار به إلى أن عبد الله بن المبارك حدث به تارة عن يونس عن الزهري ، وتارة عن معمر عنه . فإن قلت : قوله : وعن عبد الله ، معطوف على : ماذا ؟ قلت : قيل : إنه معطوف على الإسناد الأول ، وليس هو بمعلق كما ادعاه بعضهم . قلت : كأنه أراد بالبعض المحب الطبري ، وقد أخرج الترمذي ، فقال : حدثنا أحمد بن منيع حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرني معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه كان ينكر الاشتراط في الحج ، ويقول : أليس حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : يريد به عدم الاشتراط كما هو مبين عند النسائي من رواية معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه كان ينكر الاشتراط في الحج ، ويقول : أما حسبكم سنة نبيكم أنه لم يشترط ؟ وهكذا رواه الدارقطني من هذا الوجه بلفظ : ( أما حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم أنه لم يشترط ؟ ) فإن قلت : روى مسلم من رواية رباح بن أبي معروف عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال لضباعة : حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني ) . ورواه الأربعة أيضا ، فرواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عباد بن العوام ، وأخرجه النسائي من رواية ثبت بن يزيد الأحول عن هلال بن خباب ، ورواه الترمذي عن زياد بن أيوب البغدادي : حدثنا عباد بن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس : ( أن ضباعة بنت الزبير أتت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ! إني أريد الحج أفأشترط ؟ قال : نعم . قالت : كيف أقول ؟ قال : قولي لبيك اللهم لبيك محلي من الأرض حيث تحبسني ) . وأخرجه أيضا مسلم والنسائي وابن ماجة من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن طاووس وعكرمة كلاهما ( عن ابن عباس : أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني امرأة ثقيلة ، فإني أريد الحج فما تأمرني ؟ قال : أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني ) ، ولما رواه الترمذي قال : وفي الباب عن جابر وأسماء بنت أبي بكر وعائشة ، رضي الله تعالى عنهم . قلت : أما حديث جابر فرواه البيهقي من رواية هشام الدستوائي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير : ( حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني ) . وأما
عمدة القاري — صفحة 146
مساهمون: العيني
ص١٤٦