مسلم في الحج أيضا عن ابن أبي عمر عن معن بن عيسى . وأخرجه أبو داود في الجهاد عن القعنبي . وأخرجه النسائي في السير عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين ، ولفظ مسلم : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قفل من الجيوش أو السرايا أو الحج أو العمرة إذا أوفى على ثنية أو فدفد كبر ثلاثا ، ثم قال : لا إلاهَ إلاَّ الله . . . ) إلى آخره ، وأخرجه الترمذي من حديث البراء وصححه ، وروى أبو نعيم الحافظ ( عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يريد سفرا : أوصيك بتقوى الله والتكبير على كل شرف ) . وعن أنس : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا علا شرفا قال : اللهم لك الشرف على كل شرف ، ولك الحمد على كل حال ) . وعن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع من سفره قال : آيبون تائبون لربنا حامدون . فإذا دخل على أهله قال : توبا توبا أوبا أوبا ، لا يغادر علينا حوبا ) . وروى الدارقطني ( عن جابر : كنا إذا سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعدنا كبرنا ، وإذا هبطنا سبَّحنا ) .
ذكر معناه : قوله : ( إذا قفل ) ، قال في ( المحكم ) قفل القوم : يقفلون قفولاً ، ورجل قافل من قوم قفال ، والقفول : الرجوع . وفي ( شرح الفصيح ) لابن هشام : القافلة الراجعة ، فإن كانت خارجة فهي الصائبة ، سميت بذلك على وجه التفاؤل كأنها تصيب كل ما خرجت إليه . وفي ( الجامع ) : يقفلون ويقفلون ولا يكون القافل إلاَّ الراجع إلى وطنه . وفي ( الفصيح ) : أقفلت الجند وقفلوا هم . وفي ( النهاية ) : يقال للسفر قفول في الذهاب والمجيء . وأكثر ما يستعملون في الرجوع ، ويقال : قفل إذا رجع ، ومنه تسمى القافلة . قوله : ( على كل شرف ) ، بفتحتين وهو المكان العالي . وقال الجوهري : جبل مشرف عال . وقال الفراء : أشرف الشيء علا وارتفع . وفي ( المحكم ) أشرف الشيء وعلا الشيء : علاه ، وأشرف عليه . قوله : ( آيبون ) ، أي : راجعون إلى الله ، وفيه إيهام معنى الرجوع إلى الوطن ، يقال : آب إلى الشيء أوبا وإيابا أي : رجع ، وأوبته إليه وأبت به . وقيل : لا يكون الإياب إلاَّ الرجوع إلى أهله ليلاً وفي ( المعاني ) عن أبي زيد : آب يؤب إيابا وإيابة إذا تهيأ للذهاب وتجهز . وقال غيره : آب يئيب آييبا وإيتيب إيتابا إذا تهيأ . وارتفاع ( آيبون ) على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : نحن آيبون ، وكذا ارتفاع ( تائبون ) و ( عابدون ) و ( ساجدون ) . قوله : ( تائبون ) من التوبة ، وهو رجوع عما هو مذموم شرعا إلى ما هو محمود شرعا . قوله : ( لربنا ) إما خاص بقوله : ( ساجدون ) ، وإما عام لسائر الصفات على سبيل التنازع . قوله : ( وهزم الأحزاب ) أي : هزمهم يوم الأحزاب . والأحزاب هم الطائفة المتفرقة الذين اجتمعوا على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، على باب المدينة ، فهزمهم الله تعالى بلا مقاتلة وإيجاف خيل ولا ركاب . وقال عياض : ويحتمل أن يريد أحزاب الكفرة في جميع الأيام والمواطن ، ويحتمل أن يريد الدعاء كأنه قال : اللهم افعل ذلك وحدك ، وخص استعمال هذا الذكر هنا لأنه أفضل ما قاله النبيون قبله .
وفيه من الفقه : استعمال حمد الله تعالى والإقرار بنعمه والخضوع له والثناء عليه عند القدوم من الحج والجهاد على ما وهب من تمام المناسك ، وما رزق من النصر على العدو ، والرجوع إلى الوطن سالمين ، وكذلك إحداث حمد الله تعالى والشكر له على ما يحدث لعباده من نعمه ، فقد رضي من عباده بالإقرار له بالوحدانية والخضوع له بالربوبية ، والحمد والشكر عوضا عما وهبهم من نعمه تفضلاً عليهم ورحمة لهم . وفيه : بيان أن نهيه عن السجع في الدعاء على غير التحريم لوجود السجع في دعائه ودعاء أصحابه ، ويحتمل أن يكون نهيه عن السجع مختصا بوقت الدعاء خشية أن يشتغل الداعي بطلب الألفاظ المناسبة للسجع ورعاية الفواصل عن إخلاص النية وإفراغ القلب في الدعاء والاجتهاد فيه .
31
( ( بابُ اسْتِقْبَالِ الحَاجِّ القَادِمِينَ والثَّلاثَةَ علَى الدَّابَّةِ ) )
أي : هذا باب في بيان استقبال الحاج القادمين . قال الكرماني : لفظ القادمين بالجمع صفة للحاج . لأن الحاج في معنى الجمع كقوله تعالى : * ( سامرا تهجرون ) * ( المؤمنون : 76 ) . قلت : الحاج في الأصل مفرد ، يقال : رجل جاج وامرأة حاجة ورجال حجاج ونساء حواج ، وربما أطلق الحاج على الجماعة مجازا واتساعا . وقال الزمخشري : السامر نحو الحاضر في الإطلاق على الجمع . قوله : ( والثلاثة ) : قال الكرماني : ولفظ الثلاثة عطف على الاستقبال . قلت : تقديره على هذا استقبال الثلاثة حال كونهم على الدابة . وقال الكرماني : وفي بعضها الغلامين ، أي : وفي بعض النسخ : باب استقبال الحاج الغلامين ، ثم قال : وتوجيهه مع إشكاله أن يقرأ الحاج ، بالنصب
عمدة القاري — صفحة 132
مساهمون: العيني
ص١٣٢