وقوله : * ( فاستغفر ربه ) أي : طلب المغفرة من ربه ( وخر راكعا ) أي : ساجدا ، فعبر عن السجود بالركوع ؛ لأن كل واحد منهما نوع من الانحناء .
وقوله : * ( وأناب ) أي : رجع وتاب ، قال مجاهد : مكث داود ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه . ويقال : مكث في السجود وبكى حتى نبت العشب حول رأسه .
وذكر النقاش في تفسيره : أن الله تعالى بعث إليه ملكا بعد أربعين يوما أن أرفع رأسك ، فلم يرفع ، فقال له الملك : أيها العبد ، أول أمرك ذنب وآخره معصية ، ارفع رأسك حين أمرك ربك .
وذكر وهب بن منبه : أن داود صلوات الله عليه لم يشرب بعد ذلك ماء ، إلا وقد مزجه بدموعه ، ولم يأكل طعاما إلا وقد بله بدموعه ، ولم ينم على فراش إلا وقد غرقه بدموعه .
وأم حكم السجود في هذه الآية ، فذكر بعضهم : أنها سجدة شكر ، وذكر بعضهم : أنها سجدة عزيمة ، وقد روى الشافعي رحمه الله بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان لا يسجد في ' سورة ص ' ويقول : إنها توبة نبي .
وفي بعض التفاسير : أن داود عليه السلام لما قال ما قال ضحك أحد الملكين إلى صاحبه ، ثم ارتفعا إلى السماء ، فعلم داود أنهما أراداه بذلك القول وأنهما ملكان مبعوثان من قبل الله تعالى فحينئذ وقع على الأرض ساجدا .
قوله تعالى : * ( فغفرنا له ذلك ) فغفرنا له ذنبه ذلك ، وعن [ أبي ] سليمان الداراني : أن الله تعالى قال : يا داود قد غفرت ذنبك ، وأما المودة التي كانت بيني وبينك فقد مضت .
وفي القصة : أن الوحوش والطيور كان تستمع إلى قراءاته وتصغي إليها ، فلما فعل ما فعل ، [ كان ] يقرأ الزبور بعد ذلك ، ولا تصغي الطيور ولا الوحوش إلى ذلك ،
تفسير السمعاني — صفحة 436
مساهمون: أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني
ص٤٣٦