وحادثة شق الصدر في رضاعه ، بل وقيل ذلك في قصة أبيه عبد اللَّه ، لما تعرضت له المرأة تريده لنفسها ، فأبى . ولما تزوج ودخل بآمنة أم النَّبي صلى الله عليه وسلم لقيها بعد ذلك ، فقالت له : لا حاجة لي بك ، فقال : وكيف كنت تتعرضين لي ؟ فقالت : رأيت نورًا في وجهك ، فأحببت أن يكون لي ، فلما تزوجت وضعته في آمنة ولم أره فيك الآن ، فلا حاجة لي فيك .
فكلها دلائل على أنه صلى الله عليه وسلم كان في شخصه بينة لهم ، ثم أكرمه اللَّه بالرسالة ، فكان رسولاً يتلو صحفًا مطهرة ، من الأباطيل والزيغ وما لا يليق بالقرآن .
ومما استدل به لذلك قوله تعالى عنه : * ( وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ) * فعليه يكون رسول من الله بدل من البينة مرفوع على البدلية ، أو أن البينة ما يأتيهم به الرسول مما يتلوه عليهم من الصحف المطهرة فيها كتب قيمة .
فالتشريع الذي فيها والإخبار الذي أعلنه تكون البينة . وعلى كل ، فإن البينة تصدق على الجميع ، كما تصدق على المجموع ، ولا ينفك أحدهما عن الآخر ، فلا رسول إلا برسالة تتلى ، ولا رسالة تتلى إلاَّ برسول يتلوها .
وقد عرف لفظ البينة ، للإشارة إلى وجود علم عنها مسبق عليها .
فكأنه قيل : حتى تأتيهم البينة الموصوفة لهم في كتبهم ، ويشير إليها ما قدمنا في أخبار عيسى عليه السلام عنه ، وآخر سورة الفتح * ( ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِى الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ) * . قوله تعالى : * ( فِيهَا كُتُبٌ ) * . جمع كتاب ، وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في إملائه : كتب : بمعنى مكتوبات .
وقال ابن جرير : في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة . يذكر القرآن بأحسن الذكر ، ويثني عليه بأحسن الثناء .
وحكاه ابن كثير واقتصر عليه .
وقال القرطبي : إن الكتب بمعنى الأحكام ، مستدلاً بمثل قوله تعالى : * ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) * وقوله : * ( كَتَبَ اللَّهُ لاّغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى ) * .
أضواء البيان — صفحة 44
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٤٤