فالدليل هو خلق الإنسان ، والمستدل به هو الإنسان نفسه ، كما في قوله تعالى : * ( وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ) * ، فيستدل لنفسه من نفسه على قدرة خالقه سبحانه .
وإذا تم بهذا الاستدلال على قدرة الرب الخالق ، كان بعده إقامة الدليل على صحة النبوة ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فجاءت المسألة السادسة وهي إعادة القراءة في قوله : * ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الاٌّ كْرَمُ ) * ، إذ أقام الدليل على أنك مرسل من الله تبلّغ عنه وتقرأ باسمه ، فاعلم أن تلك القراءة وهذا الوحي من ربك الأكرم ، والأكرم قالوا : هو الذي يعطي بدون مقابل ، ولا انتظار مقابل ، والواقع أن مجيء الوصف هنا بالأكرم بدلاً من أي صفة أخرى ، لما في هذه الصفة من تلاؤم للسياق ، ما لا يناسب مكانها غيرها لعظم العطاء وجزيل المنة .
فأولاً : رحمة الخليقة بهذه القراءة التي ربطت العباد بربهم . وكفى .
وثانياً : نعمة الخلق والإيجاد ، فهما نعمتان متكاملتان : الإيجاد من العدم بالخلق ، والإيجاد الثاني من الجهل إلى العلم ، ولا يكون هذا كله إلاَّ من الرب الأكرم سبحانه .
ثم تأتي المسألة الثامنة : وهي من الدلالة على النبوة والرسالة ، وربك الأكرم الذي علم بالقلم ، سواء كان الوقف على : اقرأ ، وابتداء الكلام : وربك الأكرم الذي علم بالقلم . أو الوقف على الأكرم وابتداء الكلام . الذي علم بالقلم ، لأن من يعلم الجاهل بالقلم ، يعلّم غيره بدون القلم بجامع التعليم بعد الجهل . فالقادر على هذا قادر على ذلك .
والتاسعة : بيان لهذا الإجمال حيث لم يبين ما الذي علمه بالقلم . فقال : * ( عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) * ، وهذا مشاهد ملموس في أشخاصهم * ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا ) * .
فاللَّه الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، وكل ما تعلمه الإنسان فهو من الله تعلمونهن مما علمكم اللَّه ، وهل الرسالة والنبوة إلا تعليم الرسول ما لم يكن يعلم ؟ وبهذا تم إقامة الدليل على صحة النبوة ، أي الرسالة والرسول والمرسل ، وهي أسس الدعوة والبعثة الجديدة .
وقد اشتهر عند الناس أنه نبىء ( باقرأ ) وأرسل ( بالمدثر ) ولكن في
أضواء البيان — صفحة 17
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص١٧