تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
العلم من أن الله يصح أن يخلف وعيده ، لأنه قال : إنه لا يخلف وعده ولم يقل إنه لا يخلف وعيده ، وأن إخلاف الوعيد حسن لا قبيح ، وإنما القبيح هو إخلاف الوعد ، وأن الشاعر قال : كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ) * . هذه الآية الكريمة تدل على أن من كذب الرسل يحق عليه العذاب ، أي يتحتم ويثبت في حقه ثبوتاً لا يصح معه تخلفه عنه ، وهو دليل واضح على أن ما قاله بعض أهل العلم من أن الله يصح أن يخلف وعيده ، لأنه قال : إنه لا يخلف وعده ولم يقل إنه لا يخلف وعيده ، وأن إخلاف الوعيد حسن لا قبيح ، وإنما القبيح هو إخلاف الوعد ، وأن الشاعر قال : * وإني وإن أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي * لا يصح بحال ، لأن وعيده تعالى للكفار حق ووجب عليهم بتكذيبهم للرسل كما دل عليه قوله هنا : * ( كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ) * . وقد تقرر في الأصول أن الفاء من حروف العلة كقوله : سها فسجد . أي لعلة سهوه وسرق فقطعت يده أي لعلة سرقته ، ومنه قوله تعالى * ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ) * ، فتكذيبهم الرسل علة صحيحة لكون الوعيد بالعذاب حق ووجب عليهم ، فدعوى جواز تخلفه باطلة بلا شك ، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات أخر ، كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة : * ( قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ ) * ، والتحقيق : أن المراد بالقول الذي لا يبدل لديه هو الوعيد الذي قدم به إليهم . وقوله تعالى في سورة ص * ( إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرٌّ سُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ) * . وبهذا تعلم أن الوعيد الذي لا يمتنع إخلافه هو وعيد عصاة المسلمين بتعذيبهم على كبائر الذنوب ، لأن الله تعالى أوضح ذلك في قوله : * ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) * وهذا في الحقيقة تجاوز من الله عن ذنوب عباده المؤمنين العاصين ، ولا إشكال في ذلك ، وقد أوضحنا هذا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى : * ( قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ ) * . قوله تعالى : * ( أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الاٌّ وَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) * . هذه الآية الكريمة من براهين البعث ، لأن من لم يعي بخلق الناس ولم يعجز عن إيجادهم الأول لا شك في قدرته على إعادتهم وخلقهم مرة أخرى ، لأن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من البدء . والآيات الدالة على هذا كثيرة جداً ، كقوله تعالى : * ( وَهُوَ الَّذِى يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) * . وقوله تعالى : * ( قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَآ
أضواء البيان — صفحة 425 | مكتب البحوث والدراسات / الشنقيطي