القرآن أقوى سنداً وإن كانت السنة أظهر دلالة ، ولأجل هذا لم يبح ميتة الجراد بدون ذكاة لأنه يقدم عموم * ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) * . حديث ( أحلت لنا ميتتان ودمان ) الحديث ، وقدم عموم قوله تعالى * ( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) * . على الأحاديث الواردة بالجهر بآمين لأن التأمين دعاء ، والدعاء مأمور بإخفائه في الآية المذكورة .
فالآية أقوى سنداً وأحاديث الجهر بالتأمين أظهر دلالة في محل النزاع . ومن المعلوم أن أكثر أهل العلم يقدمون السنة في نحو هذا .
وقد قدم مالك رحمه الله دليل القرآن فيما ذكرنا كما قدمه أيضاً في الثانية من سجدتي الحج لأن نص الآية الكريمة فيها كالصريح في أن المراد سجود الصلاة ، لأن الله يقول فيها . * ( ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ ) * .
فذكر الركوع مع السجود يدل على أن المراد سجود الصلاة .
والأمر بالصلاة في القرآن لا يستلزم سجود التلاوة كقوله : * ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) * .
ولذلك لا يسجد عند قوله تعالى في آخر الحجر * ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ ) * .
قالوا لأن معنى قوله : * ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ) * أي صل لربك متلبساً بحمده ، وكن من الساجدين في صلاتك .
ولا شك أن قوله تعالى في ثانية الحج * ( ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ارْكَعُواْ ) * . أصرح في إرادة سجود الصلاة من قوله تعالى : * ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ السَّاجِدِينَ ) * .
ثم بعد هذا كله فإننا نكرر أن الأئمة رحمهم الله لا يلحقهم نقص ولا عيب فيما أخذ عليهم ، لأنهم رحمهم الله بذلوا وسعهم في تعلم ما جاء عن الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ثم اجتهدوا بحسب طاقتهم ، فالمصيب منهم له أجر اجتهاده وإصابته ، والمخطىء منهم مأجور في اجتهاده معذور في خطئه ، ولا يسعنا هنا مناقشة الأدلة فيما أخذ عليهم رحمهم الله ، وإنما قصدنا مع الاعتراف بعظم منزلتهم أن نبين أن كتاب الله وسنة
أضواء البيان — صفحة 370
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٧٠