فقد روي في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار ) .
قال مالك : وليس لهذا عندنا حد معروف ، ولا أمر معمول به فيه . انتهى منه بلفظه .
مع أن مالكاً لم يعمل بهذا الحديث الصحيح :
وأشار في الموطأ إلى بعض الأسباب التي منعته من العمل به في قوله :
وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه ، لأن خيار المجلس لم يحدد بحد معروف .
فصار القول به مانعاً من انعقاد البيع إلى حد غير معروف .
وقد يكون المتعاقدان في سفينة في البحر لا يمكنهم التفرق بالأبدان .
وقد يكونان مسجونين في محل لا يمكنهما التفرق فيه .
وقد حمل مالك التفرق المذكور في الحديث على التفرق في الكلام .
وصيغة العقد قال :
وقد أطلق التفرق على التفرق في الكلام دون الأبدان في قوله تعالى : * ( وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ) * فالتفرق في الآية إنما هو بالتكلم بصيغة الطلاق لا بالأبدان .
وقوله تعالى : * ( وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ) * فالتفرق في الآية تفرق بالكلام والاعتقاد .
فلا يشترط أن يكون بالأبدان :
وحجج من احتج لمالك في عدم أخذه بحديث خيار المجلس ، هذا كثيرة معروفة .
منها ما هو في آيات من كتاب الله كقوله تعالى : * ( وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ) * ، وقوله : * ( أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ) * ، وقوله : * ( إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ) * .
ومنها ما هو بغير ذلك .
وليس غرضنا هنا بسط الحجج ومناقشتها ، وإنما غرضنا المثال .
لأن الإمام قد يترك نصاً بلغه لاعتقاد أن ما ترك من أجله النص أرجح من نفس النص ، وأنه يجب على المسلم مراعاة المخرج والنجاة لنفسه فينظر في الأدلة ، ويعمل بأقواها وأقربها إلى رضى الله .
كما حلف عبد الحميد الصائغ بالمشي إلى مكة ، لا يفتي بقول مالك في هذا .
أضواء البيان — صفحة 366
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٣٦٦