المعنى : لو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة ، وبعثنا في كل قرية نذيرًا يتولّى مشقّة إنذارها عنك ، أي : ولكننا اصطفيناك ، وخصّصناك بعموم الرسالة لجميع الناس تعظيمًا لشأنك ، ورفعًا من منزلتك ، فقابل ذلك بالاجتهاد والتشدّد التامّ في إبلاغ الرسالة ، و * ( لاَ تُطِعْهُ * الْكَافِرِينَ ) * .
وما دلَّت عليه هذه الآية الكريمة من اصطفائه صلى الله عليه وسلم بالرسالة لجميع الناس ، جاء موضحًا في آيات كثيرة ؛ كقوله تعالى : * ( قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) * ، وقوله تعالى : * ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ ) * ، وقوله : * ( وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَاذَا الْقُرْءانُ لاِنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ) * ، وقوله : * ( وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الاْحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ) * .
وقد قدّمنا إيضاح هذا في أوّل هذه السورة الكريمة ، في الكلام على قوله تعالى : * ( تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ) * ، وقوله : * ( فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ ) * ، ذكره أيضًا في غير هذا الموضع ؛ كقوله تعالى : * ( وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ) * ، وقوله : * ( وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً ) * ، وقوله تعالى : * ( وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ) * .
وقوله في هذه الآية الكريمة : * ( وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ) * ، أي : بالقرءان ، كما روي عن ابن عباس .
والجهاد الكبير المذكور في هذه الآية هو المصحوب بالغلظة عليهم ؛ كما قال تعالى : * ( ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً ) * ، وقال تعالى : * ( ياأَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) * ، وقوله تعالى : * ( فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ ) * ، من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يطيع الكافرين ، ولكنه يأمر وينهى ليشرّع لأُمّته على لسانه ، كما أوضحناه في سورة ( بني إسرائيل ) . * ( وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَاذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَاذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً ) *
أضواء البيان — صفحة 64
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٦٤