تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
راجع إلى القرءان ، كما روي عن عطاء الخراساني وصدر به القرطبي ، وصدر الزمخشري بما يقرب منه . وإذا علمت أن التحقيق أن الضمير في : * ( صَرَّفْنَاهُ ) * ، عائد إلى ماء المطر . فاعلم أن المعنى : ولقد صرفنا ماء المطر بين الناس فأنزلنا مطرًا كثيرًا في بعض السنين على بعض البلاد ، ومنعنا المطر في بعض السنين عن بعض البلاد ، فيكثر الخصب في بعضها ، والجدب في بعضها الآخر ، وقوله : * ( لّيَذْكُرُواْ ) * ، أي : صرفناه بينهم لأجل أن يتذكّروا ، أي : يتذكّر الذين أخصبت أرضهم لكثرة المطر نعمة اللَّه عليهم ، فيشكروا له ، ويتذكّر الذين أجدبت أرضهم ما نزل بهم من البلاء ، فيبادروا بالتوبة إلى اللَّه جلَّ وعلا ليرحمهم ويسقيهم ، وقوله : * ( فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا ) * ، أي : كفرًا لنعمة من أنزل عليهم المطر ، وذلك بقولهم : مطرنا بنوء كذا . وهذا المعنى الذي دلّت عليه هذه الآية الكريمة ، أشار له جلّ وعلا في سورة ( الواقعة ) ، في قوله تعالى : * ( وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ ) * ، فقوله : * ( رَزَقَكُمُ ) * ، أي : المطر ؛ كما قال تعالى : * ( وَيُنَزّلُ لَكُم مّنَ السَّمَاء رِزْقاً ) * ، وقوله : * ( أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ ) * ، أي : بقولكم : مطرنا بنوء كذا ، ويزيد هذا إيضاحًا الحديث الثابت في صحيح مسلم ، وقد قدّمناه بسنده ومتنه مستوفى ، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يومًا على أثر سماء أصابتهم من الليل : ( أتدرون ماذا قال ربكم ) ؟ قالوا : اللَّه ورسوله أعلم ، قال : ( قال : أصبح عبادي مؤمن بي وكافر ، فأمّا من قال : مطرنا بفضل اللَّه ورحمته ، فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب . وأمّا من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا ، فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب ) . وقد قدّمنا أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا ) * ، يدخل فيه من قال : مطرنا بنوء كذا . ومن قال : مطرنا بالبخار ، يعني أن البحر يتصاعد منه بخار الماء ، ثم يتجمّع ثم ينزل على الأرض بمقتضى الطبيعة لا بفعل فاعل ، وأن المطر منه ؛ كما تقدّم إيضاحه فسبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا . * ( وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً * فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً ) * .