وبيَّنا بالسنّة الصحيحة في أوّل سورة ( الحجّ ) : أن نصيب النار من الألف تسعة وتسعون وتسعمائة ، وأن نصيب الجنّة منها واحد . * ( إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْناقِهِمْ أَغْلَالاً فَهِىَ إِلَى الاٌّ ذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ) * . الأَغلال : جمع غلّ وهو الذي يجمع الأيدي إلى الأعناق . والأذقان : جمع ذقن وهو ملتقى اللحيين . والمقمح بصيغة اسم المفعول ، وهو الرافع رأسه . والسدّ بالفتح والضمّ : هو الحاجز الذي يسدّ طريق الوصول إلى ما وراءه .
وقوله : * ( فَأغْشَيْنَاهُمْ ) * ، أي : جعلنا على أبصارهم الغشاوة ، وهي الغطاء الذي يكون على العين يمنعها من الإبصار ، ومنه قوله تعالى : * ( وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) * ، وقول الشاعر وهو الحارث بن خالد بن العاص : وقوله : * ( فَأغْشَيْنَاهُمْ ) * ، أي : جعلنا على أبصارهم الغشاوة ، وهي الغطاء الذي يكون على العين يمنعها من الإبصار ، ومنه قوله تعالى : * ( وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) * ، وقوله تعالى : * ( وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) * ، وقول الشاعر وهو الحارث بن خالد بن العاص :
* هويتك إذ عيني عليها غشاوة
* فلمّا انجلت قطّعت نفسي ألومها
*
والمراد بالآية الكريمة : أن هؤلاء الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة في علم اللَّه المذكورين في قوله تعالى : * ( لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ) * ، صرفهم اللَّه عن الإيمان صرفًا عظيمًا مانعًا من وصوله إليهم ؛ لأن من جعل في عنقه غلّ ، وصار الغلّ إلى ذقنه ، حتى صار رأسه مرفوعًا لا يقدر أن يطأطئه ، وجعل أمامه سدّ ، وخلفه سدّ ، وجعل على بصره الغشاوة لا حيلة له في التصرّف ، ولا في جلب نفع لنفسه ، ولا في دفع ضرّ عنها ، فالذين أشقاهم اللَّه بهذه المثابة لا يصل إليهم خير .
وهذا المعنى الذي دلَّت عليه هذه الآية الكريمة من كونه جلَّ وعلا يصرف الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة في علمه عن الحق ويحول بينهم وبينه ، جاء موضحًا في آيات كثيرة ؛ كقوله تعالى : * ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِئَايِاتِ رَبّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا ) * ، وقوله تعالى : * ( خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) * ، وقوله تعالى : * ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) * ، وقوله تعالى : * ( وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاء ) * ، وقوله تعالى : * ( وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ *
أضواء البيان — صفحة 288
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٢٨٨